فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 3505

ج- نهاهم هارون عليه الصلاة والسلام عن ذلك وبين لهم أنه فتنة وشرك، كما قال تعالى في سورة طه: (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي)

د- لم يستجيبوا لهارون وتعللوا بأنهم سيستمرون في عبادة العجل لحين رجوع موسى إليهم.

هـ- لما استفهم موسى من أخيه عن سبب عدم لحاقه به لإخباره بذلك أجاب بأنه كان خائفًا - إن فعل ذلك - أن يتفرق بنو إسرائيل بعد ذهابه فيقع تحت طائلة لوم موسى لكونه لم يلتزم أمره بالبقاء بينهم كمانع من أي تفرق وتمزق، لذا اجتهد في أن يبقى على رأسهم مع استمرار عكوفهم على العجل.

و- لم يعترض موسى على هذا الفهم من هارون وكذلك لم يذكر القرآن توجيهًا مسددًا لاجتهاد هارون، مما يشير إلى صحة اجتهاده الذي خلاصته: الموازنة بين مفسدة التفرق ومفسدة البقاء على الشرك مؤقتا لحين رجوع موسى، وتغليب تجنب المفسدة الأعظم وهي تفرق الأمة على مفسدة عمل شركي مؤقت سيتم علاجه بعد حين. ولا أدل من ذلك على عظم خطر تفرق الأمة، فلينظر الداعون لدين الله هذا الفقه وليتأملوه بعمق!!

قال القرطبي عند هذا الموضع (أحكام القرآن:11/ 159) :قوله (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) : أي خشيت أن أخرج وأتركهم وقد أمرتني أن أخرج معهم، فلو خرجت لاتبعني قوم ويتخلف مع العجل قوم، وربما أدى الأمر إلى سفك الدماء، وخشيت إن زجرتهم أن يقع قتال فتلومني على ذلك. أهـ وراجع كذلك فتح القدير للشوكاني عند نفس الآية.

وبالتالي يمكن أن يقال: إن الواجب هو استمرار بيان الحق والتنبيه على مواضع الخلل في مسيرة الأمة ولكن يجتنب أي تصرف غير حكيم يؤدي إلى تفريق الأمة وتمزيقها إلى فرق وجماعات متناحرة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في أمثال هذه المواقف (مجموع الفتاوى: 12/ 237) : فالواجب على المسلم أن يَلزَم سنة رسول الله، وسنة خلفائه الراشدين، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان. وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه، إن أمكنه أن يفصل النزاع بالعلم والعدل، وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والإجماع، وأعرض عن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، فإن مواضع التفرق والاختلاف عامتها تصدر عن اتباع الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى. أهـ

إلى أن قال (مجموع الفتاوى: 12/ 237) :والواجب أمر العامة بالجمل الثابتة بالنص والإجماع، ومنعهم من الخوض في التفصيل الذي يوقع بينهم الفرقة والإختلاف، فإن الفرقة والاختلاف من أعظم ما نهى الله عنه ورسوله. أهـ

وهذا فهم دقيق وعميق للدين ولشرع الله، فيجب على العلماء والدعاة أن يبلغوا العامة مجملات الدين الثابتة بالنص والإجماع، ويمنعوهم من الخوض في دقائق العلم والتفاصيل، لأن هذه الدقائق والتفاصيل كثيرًا ما يتطرق إليها الخلاف، فإذا لم يكن عند المطلع عليها رصيد كبير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت