فهرس الكتاب
من العلم والحلم والحكمة ما يعذر به المخالف وقعت الفتنة والفرقة والاختلاف الذي يعتبر تجنبه من أعظم ما أرشد إليه الدين، فهل نعي مثل هذا الفقه الرشيد؟
• التفريق بين فقه الاجتماع في مرحلة الدعوة والبناء وفقه الاجتماع في مرحلة تعين الجهاد والدفع العام:
ذلك أن الأمة في حال تعين الجهاد والدفع العام تكون أمام مفسدة عظمى وخطر كبير هو احتمال زوال الأمة نفسها، ولذلك يكون الفقه عندها احتمال المفسدة الأدنى إذا كانت إزالتها مؤدية إلى التفرق المانع من درء المفسدة العظمى. بينما في حالة السعة عند مرحلة الدعوة والبناء يكون الفقه هو الموازنة بين مصالح ومفاسد في درجات أدنى من قضية بقاء الأمة أو زوالها. وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عندما يتعين الجهاد ولكن بإمارة أمير فاجر أو عسكر كثير الفجور (مجموع الفتاوى 28/ 506 - 507) :ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم، كما أخبر بذلك النبي، لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار، أو مع عسكر كثير الفجور، فإنه لا بد من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررًا في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين، وإقامة أكثر شرائع الإسلام، وإن لم يمكن إقامة جميعها. فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه. أهـ
وهاهنا قضيتان:
الأولى: أن رد العدو عند الدفع العام عن حمى المسلمين قد يستلزم التعاون مع بعض المسلمين من ذوي المعاصي والفجور فيحتمل هذا الأمر درءًا للمفسدة الأعظم التي هي احتمال ذهاب دين الجميع، الطائع والعاصي عند استيلاء الكفار على بلاد المسلمين. وهذه القضية لو أدركها كثير من العاملين للإسلام في هذه الأزمان لأمكن إصلاح أعداد كبيرة من الناس عندما نصطحبهم معنا في هذا الخير، ولأمكن الاستفادة من طاقات كثيرة معطلة بين المسلمين.
والقضية الثانية: أنه إذا تعذر إقامة كل ما نؤمن به من الشريعة والعدل ولم يمكن إلا بعض ذلك فإنه يجب الحرص عليه لأن هذا هو الفقه بعينه، وهذا ما يؤكده ابن تيمية إذ يقول (مجموع الفتاوى:10/ 364) :قد يقترن بالحسنات سيئات إما مغفورة أو غير مغفورة، وقد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوك الطريق المشروعة المحضة، إلا بنوع من المحدث لعدم القائم بالطريق المشروعة علمًا وعملًا. فإذا لم يحصل النور الصافي بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف وإلا بقي الإنسان في الظلمة، فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة، إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية. أهـ
• اللهج بالدعاء من الله تعالى بتأليف القلوب ورفع الغل منها:
لقد علمنا الله تعالى أن القلوب بيده وهو الذي يؤلف بينها، كي يلهج المؤمنون بدعائه لاستنزال رحمته ومودته بينهم، قال تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) ، وقال: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) .