بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ وسلم على نبينا محمد بن عبد الله، الذي أقر الله تعالى عين رسوله -صلى الله عليه وسلم- بأنه سيغرس الله تعالى لهذا الدين رجالًا، يصطفيهم الله سبحانه وتعالى، يصنعهم على عينه، ويُلقي عليهم محبةً منه. فهذا فضل الله جل جلاله حينما قال: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 3} ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ {4} [الجمعة] .
أحبتي في الله، لا يوجد بعد نعمة الهداية أعظم نعمة من كتاب الله جل جلاله، هذا الكتاب العظيم الذي حفظ الله تعالى لنا به الدين، وتكفل بحفظه؛ يوم وَكَلَ الله تعالى حفظ الكتب في الأمم السابقة لعلمائهم فعبثوا بها، وحرفوها وتقولوا على الله وافتروا على عباد الله. أما كتاب الله الخالد الذي جعله الله تعالى يخاطب به أول الأمة وآخرها تكفل الله تعالى به. وجعل الذي يُخاطب به أبا بكرٍ وعمر والصحابة هو الذي يُخاطب به آخر الأمة كلها. فإذا أمر الله أمرًا في صدر الأمة هو المعني في كل من سمع على طول هذه السنين المتواصلة. فكتابنا واحد كما ربنا واحد ورسولنا واحد صلى الله عليه وسلم، فنحن على هذا المنهاج سائرين، في كل يومٍ نقول: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ 6} صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين {7} [الفاتحة] .
نحن نريد أن نتعرف في كل يومٍ على نعم الله، ولا يُزاحمنا ما يتعرف فيه كثيرٌ من السذج والبُسطاء أن نعم الله هي مآكلٌ ومشاربٌ ومراكبٌ ومآوي، وما تشترك به معنى البشرية وقواسمُ مشتركة بيننا وبينهم، هذه القواسم ليست فقط الإنسانية تشاركنا فيها، بل حتى البهائم تُشاركنا فيها. ولكن هناك مفارقاتٌ عظيمة نفترق بها مع بني جنسنا من البشر ألا وهي اتصالنا في السماء، واعتمادنا على الله جل جلاله في تلقي منهجه وتفهمه، والعمل على حمل رايته، والعزيمة الجادة بأن لا يكون في الأرض منهجٌ يسود إلا منهجهُ سبحانه وتعالى.
رضي الله لطائفةٍ من الناس أن يصنعهم على عينه، وأن يكونوا جنود الله جل جلاله الذين تتربع هذه الشريعة في قلوبهم فلا يبغون عنها حولًا ولا لها بدلًا، ويقدمون نفوسهم رخيصةً في سبيلها. كتاب الله جل جلاله هذا المنهج العظيم الذي يختصر الله تعالى لنا به الطريق في كل مناحي الحياة، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} . صدّر الله سورة البقرة بقوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} ، هُدى لكل من أراد أن يهتدي به في كل شؤون الحياة كلها، وهو الفيصل الذي لا تعتريه الشبهات يمنةً ولا يسرة. وأن كلَ من أراد أن يكون دخيلًا على كتاب الله تعالى في إثارة الشبهات تكفل الله بكتابه أن يقصم له ظهرهُ، وأن يأتيه من جذوره، وأن يُخبر الأمة قاطبةً عن صورته وماهيته ودخيلته ويفضحه على رؤوس الخلائق.