-وقول الله كلّه ثقيل- ومن أعظم القول الثقيل هو قضيّة الجهاد في سبيل الله، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْ هٌ لَّكُمْ} . هذا القتال الذي فيه أقلّ ما يكون الخوف والرّعب الذي يصاب به المجاهد، كفى ببريق السيوف فتنة له. هذا أقلّ ما يكون ممّا يتعرّض له من ترك وراءه من الذريّة وملاذّ الدنيا. ناهيك عمّا يكون أمامه من مخاوف الأسر والكسر والبتر وغيرها. وجعل الله هذا السبيل هو محكّ للصّدق: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ 94} وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ {95} [البقرة] .
إذًا الإعداد الحقيقي ليس هو فقط التدريب العسكري والبدني إنّما وراء ذلك وفيه وبعده هو الإعداد الإيماني: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} ، ذكر الله على كلّ حال، الارتباط مع كتاب الله جلّ جلاله، حسن الأخلاق، سلامة الصدر، خدمة الإخوان، القيام في الرّباط، في السّهر على حراسة الإخوان، خدمتهم، كظم الغيظ، العفو عنهم، النصيحة لهم، تذكيرهم، وعظهم، هذا هو الزّاد الذي به نقف يوم يقال لنا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} ، فيصدق علينا قول الله تعالى: {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} . أمّا بغير ذلك فو الله لو ملكنا عُدد الدنيا كلّها لهي سبب في هزيمتنا ورجوعنا وتأخّرنا.
وما أخّر اليوم كثيرًا من المسلمين الذين ينخرطون في الجبهات ويصبحون عثرة في وجوه الصادقين إلّا لعاعة الدنيا وفتنة في القلب من حبّ الشهرة والظهور ورفع اسم ومسمّى يمينًا وشمالًا. إنّ هذه الأمراض التي تكون بين أوساط النّاس لايمكن ترتفع إلّا بالدّين، بالإيمان، بالمواعظ، بالمجالس، وقبلها العلم الذي يُغذّي هذا كلّه.
نحن أمّة يقوم ديننا على سنّة الدعوة المبنيّة على العلم وعلى السّنان الذي به يُكسر أنف كلّ من يعادي. حينما تقوم الأمّة على قدميها ويكون لها صولة وجولة حذّر الله تعالى من التهاون في هذه الدّماء وفي هذه الجهود فقال بعدها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّ سُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27] . ثمّ أخبر أنّ أغلب سبب الخيانة هي حبّ المال والولد قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال:28] .
فأهنّيء نفسي وإيّاكم -إخوتي في الله- فالله سبحانه وتعالى أذن لنا بالثبات على هذا الدّين، وأذن لنا بالثبات على هذه الشعيرة العظيمة التي اصطفانا الله وأتى بنا من مكان بعيد يوم تأخّر القريب، وأتى بنا جلّ جلاله بكرمه وجوده كما قال الله تعالى: {فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} .
نسأل الله أن يتولّانا فإنّه وليّ الصالحين. والله أعلم و أعلى وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.