فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 3505

فالصحابة رضي الله عنهم لما فهموا المسألة لم يكن هناك أيُ إعاقةٍ في طريقهم، فتركوا كل ما كانوا يملكون خلف ظهورهم.

إنّه الاصطفاء الذي يمنُّ به الله جلّ جلاله على من يشاء، إنّه ليس للعقل مجال، إنّه اختيار السماء لأهل الأرض، إنّه اجتباء من الله جلّ جلاله لمن شاء من عباده. وننظر نحن يمنةً وشمالًا كم من أناس شابت نواصيهم في العلم والعبادة ومع ذلك لم يخترهم الله تعالى لمثل هذه الأمور العظيمة، بل ثبّطهم الله حينما رأى منهم أنّهم أصبحوا عثرة في الطريق، بل ربّما اقتفوا أثر المنافقين وأصبحوا من المعوّقين كما قال تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} . هؤلاء المرجفون، من تجابهون؟ من تواجهون؟ هو قول النّفاق: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَ ضٌ غَرَّ هَاؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ، ويقولون من جهة أخرى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَ ضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَ سُولُهُ إِلَّا غُرُ ورً ا} ، فيتنكّلون ويثبت الصّادقون الذين اجتباهم الله جلّ جلاله.

نحن قوّتنا تنطلق من صميم عقيدتنا، نحن لا ننظر بأعين رؤوسنا وإنّما ننظر ببصائرنا من خلال كتاب ربّنا الذي يربّينا. ومن خلال من يمثّل كتاب ربّنا وهو رسول الهدى -صلّى الله عليه وسلّم- حيث يقول الله له: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّ ضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُ وا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا} [النساء: 84] .

إنّنا أمّة ولله الحمد والمنّة نكاثر النّاس بالعقيدة، نزاحم الطّاغوت بل نسقط الطّاغوت بعقيدتنا، {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَاكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَ مَيْتَ إِذْ رَ مَيْتَ وَلَاكِنَّ اللَّهَ رَ مَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا} .

إنّنا أحذر ما نحذر منه وأشدّ ما يجب أن يكون بيننا وبينه أمدًا بعيدًا هو أن تلتفت قلوبنا إلى الأرض وما عليها، أو أن ننظر في أنفسنا وإعدادنا أو أن تطاردنا ذنوبنا، أو أن نُؤتى من قلّة سمع وطاعة، هذا الذي نحذره. إذًا نحن لن نُؤتى أبدًا إلّا من قبل أنفسنا فالصّحابة لمّا تساءلوا رضي الله عنهم قالوا: {أَنَّى هَذَا} ؟ {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} !

إنّ الإعداد -أحبّتي في الله- ليس هو إعداد سلاح فحسب، فالسلاح هو جزءٌ بسيط من الإعداد؛ إنّما الإعداد الذي يجب دائمًا أن يتربّع في قلوبنا هو فهمنا لعقيدتنا، هو تصوّرنا الصحيح للعقيدة. هو فهمنا للزّاد الإيماني الذي من دونه تضمر العقيدة وتضعف وتصبح محفوظات في الذهن لا تؤدّي معمولاتها في الواقع. فلذلك لمّا نبّأ الله رسوله -صلّى الله عليه وسلّم- لم يقل الله تعالى له بعدها: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 1} قُمْ فَأَنذِرْ {2} ، بل قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ 1} قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا {2} نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا {3} أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَ تِّلِ الْقُرْ آنَ تَرْ تِيلًا {4} إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا {5} ، ومن القول الثقيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت