فهرس الكتاب
بحمد (سايكس-بيكو) و (كيتشنر) في مشرقنا العربي، و (ديورنت) في الهند، وغيرهم ممن مزَّقوا أوصال دولة الخلافة، ولم يتوقف الأمر عند ما مزَّقه هؤلاء بل استمرَّ المخطَّط في تقسيم المقسَّم وتفتيت المفتَّت.
المهم -طلبًا للإيجاز-؛ نشأت جمهورية السودان، وبدأت بالتعامل مع مشكلة الجنوب التي تركها الإنجليز كقنبلة موقوتة، بما فرضه من سياسة المناطق المقفولة والتطهير العرقي للعرب، ومحاربة كلِّ ما يمتُّ للإسلام والعروبة مع تشجيع التغول التبشيري المسلَّح في الجنوب، بدأت الحكومة السودانية بالتعامل مع مشكلة الجنوب بسياساتٍ سيئة، قامت على الضعف في مواجهة التمرُّد، والظلم والتهميش لأهل الجنوب، وبذلك استفحل التمرُّد وازداد، إلى أن جاء انقلاب البشير الذي كان تدهور الوضع في الجنوب أحد أهمِّ أسبابه، وقامت حكومة الإنقاذ، وبدأت بتشجيع الجهاد الجماهيري لتحرير الجنوب تحت مسمَّى (الدفاع الشعبي) حتَّى لا تُتَّهم بالإرهاب، ورغم القصور الذي شاب الدفاع الشعبي فقد تجاوب معه الشعب السوداني تجاوبًا واسعًا، وبدأت الانتصارات تتوالى ضد المتمرِّدين، وتحقَّقت انتصارات لم يشهدها السودان منذ إنشائه، واستطاعت قوات الدفاع الشعبي أن تقتحم (توريت) ، مركز قيادة الحملة الشعبية المتمرِّدة في يوليو عام 1992 ووصلت لحدود أوغندا -وهي مناطق لم يصلها الجيش السوداني منذ استقلال السودان-، وفي هذا الوقت استضافت الحكومة السودانية الشيخ أسامة بن لادن -رحمه الله- ليعينها باستثماراته، وبدأت تَوَجُّهَها الإسلامي، وفتحت الباب للمهاجرين من المسلمين، ولكن سرعان ما بدأ انهيار الحكومة السودانية بعد فترة قصيرة أمام الضغوط الأمريكية الغربية والسعودية، فأوقفت الجهاد الجماهيري، وطردت الشيخ أسامة بن لادن -رحمه الله-، بل واستولت على جزءٍ كبيرٍ من أمواله، وطردت معه بقية المهاجرين المسلمين، وقد سهَّل ذلك الانهيار تبنِّي الحكومة السودانية لفقهٍ مُعوَّجٍ يرفع المصلحة الموهومة فوق أحكام الشريعة، انتهى بهم إلى تنازع بعضهم مع بعض على المناصب، فسجن بعضهم بعضًا، واستعانوا بأعدائهم على بعضهم، وتسابقوا لإرضاء الحركة الشعبية والأمريكان، وتسارعت التنازلات وبدأ معها التراجع الميداني والسياسي أمام حركة التمرُّد المدعومة ماديًا ومعنويًا من الغرب وإسرائيل وأمريكا، وسقطت الحكومة السودانية فيما سقطت فيه سابقاتها، سياسة الضعف والظلم، إلى أن وصل الأمر إلى التوقيع على اتفاقية (نيفاشا) التي أثمرت كارثة الانفصال، ولم يتوقف المخطَّط عند ذلك، بل بدأ إشعال الفتن في دارفور وبلاد النوبة وشرق السودان.
كانت هذه نظرةً سريعةً لقصَّة انفصال السودان، تلك الكارثة التي تمثِّل هزيمةً للسودان ومصر والعالم العربي، فبانفصال جنوب السودان الواقع تحت السيطرة الأمريكية والنفوذ الإسرائيلي يمتدُّ