ومن عدم فقه هؤلاء المثبّطين أنهم يصفون الجهاد بأنه محرقة للشباب وكأنهم لم يتلوا قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) .
يقول الأستاذ سيط قطب رحمه الله في تفسير هذه الآية:
"فهم لم يكتفوا بالتخلف والمعركة على الأبواب وما يحدثه هذا التخلف من رجة وزلزلة في الصفوف والنفوس وبخاصة أن عبد الله ابن أبي كان ما يزال سيدًا في قومه ولم يكشف لهم نفاقه بعد ولم يدمغه الله بهذا الوصف الذي يهز مقامه في نفوس المسلمين منه, بل راحوا يُثيرون الزلزلة والحسرة في قلوب أهل الشهداء وأصحابهم بعد المعركة, ويقولون: (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) . فيجعلون من تخلفهم حكمة ومصلحة, ويجعلون من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه مغرمًا ومضرة, وأكثر من هذا كله يُفسِدون التصور الإسلامي الناصع لقدر الله ولحتمية الأجل ولحقيقة الموت والحياة وتعلقهما بقدر الله وحده ومن ثم يبادرهم بالرد الحاسم الناصع الذي يرد كيدهم من ناحية ويصحح التصور الإسلامي ويجلو عنه الغبش من ناحية (قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) فالموت يصيب المجاهد والقاعد والشجاع والجبان ولا يرده حرص ولا حذر ولا يؤجله جبنٌ ولا قعود, والواقع هو البرهان الذي لا يقبل المِراء, وهذا الواقع هو الذي يجابههم به القرآن الكريم فيرد كيدهم اللئيم ويقر الحق في نصابه ويثبت قلوب المسلمين ويسكب عليها الطمأنينة والراحة واليقين".