وظهورهم ونصرهم على أعدائه الصادين عن سبيله المخالفين منهاج دينه"ا. هـ رحمه الله. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"واعلم أن النصر مع الصبر"."
ومن أسباب النصر التقوى كما قال تعالى: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إَن تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} , وقال تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} , قال الطبري في معنى قوله تعالى {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} :"واعلموا أيها المؤمنون بالله أنكم إن قاتلتم المشركين كافة واتقيتم الله فأطعتموه فيما أمركم ونهاكم ولم تخالفوا أمره فتعصوه كان الله معكم على عدوكم وعدوه من المشركين ومن كان الله معه لم يغلبه شيء لأن الله مع من اتقاه فخافه وأطاعه فيما كلفه من أمره ونهيه". ا. هـ رحمه الله.
ومن أسباب النصر التوكل على الله تعالى قال تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ} , وقال تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} .
ومن أسباب النصر الاجتماع وترك الاختلاف , قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} .
ومن أسباب النصر التوبة من الذنوب , ولذلك يستغفر المؤمنون لذنوبهم استجلاباً للنصر , قال تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} , واعلموا أن الذنوب أخطارها عظيمة تؤخر النصر وتقصم الظهر إلا أن يتداركنا الله بعفوه ويمن علينا بمغفرته وحلمه , إن الله غفور حليم , فالذنوب من أعظم أسباب الجبن والفرار كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} أي ببعض ذنوبهم السالفة , كما قال بعض السلف:"إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها , وإن من جزاء السيئة السيئة بعدها".
ومن الذنوب الخطيرة التي تهزم الجيوش معصية الأمير , ولا يخفى عليكم ما أصاب المسلمين في أحد من بعد ما أراهم الله ما يحبون , وذلك بسبب معصية الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم , والمعاصي والأخطاء في الجهاد ضررها يعُمّ , وهذا يعني تأخير النصر , فاجتنبوا المعاصي والشقاق , وعليكم بطاعة أمرائكم بالمعروف في العسر واليسر والمنشط والمكره , وتياسروا ولا تعاسروا وتطاوعوا ولا تختلفوا , فما بقي إلا القليل والدنيا كلها قليل , وحذار أن نكون سبباً في تأخير النصر والتمكين للإسلام , والأمة المكلومة قد رمقتكم بأبصارها تنتظركم بفارغ الصبر , والسجون تضج بأنات الأسارى وصرخات العفيفات المستغيثات , فالله الله في هذه الأمة التي ولدتكم.
ومن الذنوب الخطيرة العجب والاعتماد على النفس والقوة والسلاح , وأول الخذلان أن يعتمد الإنسان على نفسه , واعلم أن الاعتماد على الأسباب لا يغني عن الإنسان شيئاً كما قال تعالى:
{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} والواجب هو القيام بعبودية التوكل بالأخذ بالأسباب والاعتماد على الله تعالى في النفع والضر , فالأخذ بالأسباب من عمل الظاهر والاعتماد على الله من عمل الباطن وهو القلب , ومجموعهما هو حقيقة التوكل.