ومن الذنوب المهلكة الغرور الذي قد يصيب بعض الناس لكونهم مجاهدين , فربما يأتي في خلد بعضهم أنه يجوز للمجاهد ما لا يجوز لغيره , وأن المجاهد قد تجاوز القنطرة فله أن يتخلى عن العمل الصالح وله أن يلهو ويلغو! وما هذه إلا أحبولة من أحابيل الشيطان يصطاد بها المغفلين , فاحذر يا عبد الله أن تقع في تلك المصيدة فإنما العبرة بالخواتيم , ولا تدري هل قبل منك عمل أم لا , فاعمل لعل الله يقبل منك عملاً فتدخل بسببه الجنة , والمؤمن لا يأمن مكر الله , ولا يزال خائفاً من عدم قبول العمل ومن سوء الخاتمة حتى يعاين البشرى , والمؤمن إنما يعيش بين الخوف والرجاء , فاشتغل بما يصلح عملك ويهيئه للقبول من تصحيح النية في كل الأحوال والأوقات ومن اتباع ما يحبه الله ويرضاه والابتعاد عما يكرهه ويمقته , وفقنا الله وإياك.
ومن الذنوب المهلكة الكِبْر وهو بَطَرُ الحق أي رده , وغَمْطُ الناس أي احتقارهم فلا يراهم شيئاً , فربما يقع في وهم بعض المجاهدين مما تمليه النفس الأمارة بالسوء أنه أفضل من بقية المسلمين أي لأنه قائم بالجهاد وسائر المسلمين تاركون للجهاد منشغلون بالدنيا يتمرغون في أوضار الذنوب , وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم", معناه أشدهم هلاكاً , واتفق العلماء على أن هذا الذم إنما هو فيمن قاله على سبيل الازراء على الناس واحتقارهم وتفضيل نفسه عليهم وتقبيح أحوالهم لأنه لا يعلم سر الله في خلقه , قالوا فأما من قال ذلك تحزُّناً لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين فلا بأس , فعليك بالتواضع فمن تواضع لله رفعه , وانشغل بتطهير ذنوبك وتنقية عيوبك وشكر الله تعالى على أن اختارك لتكون منافحاً عن الإسلام وأهله , فما أجلها من نعمة! وما أعظمه من توفيق! وانشغل بالاستفادة من مدرسة الجهاد , لتكمل نقصك وتصقل نفسك , ولا تغفل فتمر الأزمان وأنت أنت لم تتغير ولم تتبدل , فالجهاد مدرسة يتعلم فيها المؤمنون معاني الإيمان الحقيقية ويفهمون حقيقة العبودية , والجهاد مشفى تصح فيه القلوب وينفى فيه الخبث والعيوب وتتعدل فيه الأفكار المعوجة وتستنير به البصائر الحائرة , كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} , فالجهاد مدرسة ومشفى وغذاء للقلوب ودواء وهداية وضياء , وعاقبته حميدة في الدنيا والآخرة , فلذلك حرص عليه العقلاء وتسارع إليه الفضلاء , وكفاك في فضله أن يقول فيه سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم:"والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً , ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني , والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأُقتل ثم أغزو فأقتل , ثم أغزو فأقتل". رواه مسلم.
فنسأل الله تعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وأن يثبت أقدامنا وينصرنا على القوم الكافرين , وأن يرزقنا الشهادة صابرين محتسبين , مقبلين غير مدبرين.
والحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.