والعبادة فيها خير من عبادة ثلاثة وثمانين سنة، أي خيرٌ من ألف شهر، فالسعيدُ من وفقه الله إلى الطاعة في هذه الأيام و الليالي، والمحروم من حُرم أجرها، وثوابها، وقيامها، وإن ضعف الطاعة دليل على مرض في القلوب، فلا يضعف عن الطاعة إلا من أصاب قلبه الفتنة ووهنت عزيمته، وأسعد الناس من فتح الله له باب الخير وسهل له الطاعة واغتنم هذه الأيام بما يحبه الله ويرضاه، وأشقى الناس من عرف الحق وتركه، وعرف الخير وتركه وأضاع وقته وأيامه في اللهو والبعد عن الله وطاعته، فحريٌ بالمؤمن الذي أصابه شيء من التقصير في رمضان أن يتدارك ما بقي من هذه الأيام في الطاعة، وقد أنعم الله عليه بالصحة والعافية والفراغ، فحري به أن يغتنمها، والشقيُ من حُرِم الخير والتوفيق في الطاعة.
قال ابن المنذر في قيام ليلة القدر: إنه يُرجى به مغفرة الذنوب كبائرها وصغائرها.
وقد سُئل شيخ الإسلام عن عشر ذي الحجة والعشرُ من الأواخر من رمضان أيُهما أفضل
فأجاب: (أيام ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة) . [مجموع الفتاوى]
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتحرى ليلة القدر ويأمر أصحابه بذلك وكان يوقظ أهله ليالي العشر رجاء أن يدركوا فضلها، وفي المسند عن عبادة مرفوعاً: (من قامها ابتغاءها ثم وقعت له غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) .
وهي في العشر الأواخر من رمضان فينبغي على المسلم ألا يضيع هذه الفرصة، وأن يجتهد في الطاعة ويقيم هذه الليالي ويحرص على اغتنامها حتى يكون من الفائزين المقبولين عند الله -سبحانه وتعالى-
يا أيها الراقد كم ترقد *** قم يا حبيبا قد دنا الموعدُ
وخذ من الليل وساعاته *** حظا إذا هجع الرُّقَد
وإنما أخفى الله علمها عن عباده رحمة بهم، حتى يجتهدوا في طلبها وتكثر عبادتهم فيها، وليحصلوا على الأجر بقيامهم لتلك الليالي المباركة، فيا أُيها المقصر، ويا أيها المؤمن، اغتنم هذه الليالي المباركة، فيما يقرب إلى الله تعالى، فإنها فرصة من العمر، وقد ذكر العلماء الحكمة في إخفاء ليلة القدر؛ ليحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتصر عليها. ا. هـ
يقول البغوي -رحمه الله تعالى-: (وفي الجملة أبهم الله هذه الليلة على هذه الأمة ليجتهدوا بالعبادة في ليالي رمضان طمعاً في إدراكها) .