ثمّ بدأ بأهْل بيته يعِظُهم ويُذكّرهم ويدْعوهم إلى الله، فلانَتْ له قُلوبهم ودانُوا له بالإمْرة والسّمْع والطّاعة، كبيرِهم وصغيرهم، ولَقد رأيتُ عمّه كابنِ عمّه صغيرِهم وكبيرِهم، الكلّ يقول: جاءَ الشّيخُ عُمر وراح الشّيخ عُمر، وإذا جلَس قاموا على خدمته"مع إباء منه"، وإذا تكلّم أسرَعوا في طلَبه وهذه منْ نِعَم الله عليه.
فما أستُشهِد الرّجل حتى دَفن بنفسه أخوهُ الأكْبر"عبد الستير"، وابن عمّه الوفيّ"جاسم"طالبُ الشّريعة وغيرِهم. فللّه درّكم آل حَديد، وشرّفَكم في الآخرةِ، كما تشرّفْتم بالدّين في الدّنيا.
أوّل مرّة رأيتُه كان يلبَس عباءةً، وعلى رأسِه"شماغ"وعقال، يتكلّم بأدبٍ ويبْتسم بحياء، فظننْت أنّه شيخٌ من شُيوخ العشائِر، فُذكر الشّعر وإذا به يقول منهُ الكثير، لكنّي للأسف لا أحفَظُ منه حالياً شيئاً، ولعلّي أجمَع منه بعضاً بعد ذلك. فزادَ في عيني؛ أدبٌ وعلمٌ وجهادٌ وهيبة، فمِلْت على مَن بِجانبي وسألْته من الشّيخ؟، قال: ألا تعرِفُه .. ؟ قلت: لا، قال: هذا عمرُ حَديد من الفلّوجة. وهذه كانتْ بدايَتي معه، ثم بدأَت أحداثُ الفلّوجة الأولى، تلْك الأحداثُ التي شكّلت مُنْعطفاً جديداً في تاريخِ سيرَته وسيرةِ غيرِه الجهادية، بلْ في سيرة المدينة نفسها، حتى أنّه إذا ذُُكرَت الفلّوجةُ ذُُكِر عُمر، وإذا ذُكِر عُمر ذُكرت الفلّوجة، فهما وجهانِ لِشرفٍ واحد، كلاهُما أثّر على الآخر، بدءاً من أحداثِ مُديرية الأمْن و"القائمقامية"، وانتهاءً برحيلِ البطَل.
لكنّي أبدأ من الفلّوجة الأولى، حيث أُحبّ هنا أن أسجّل ما أظنّ أنه كان سبباً - والعلم عند الله - لعلوّ شأن الرّجل ورِفْعة منزلته في الدّنيا، وأسأل الله أن يرفعَ منْزِلته في الآخرة؛ وهو أنّه عندما أقتَحم الأمريكانُ الفلّوجة أوّل الأمْر، اختبأ أكثرُ النّاس في بُيوتهم، وبَدأ الوَجلُ يدبّ في أوصالهم، وخافوا على أهلِهم وأولادِهم وأموالهم.
لكنّ عُمر ما خافَ إلا الله، فذَهب إلى بيتِه، وأخذ يُحرّض أهْله وأبناءَ عُمومته ومَنْ معه، ثمّ حمَل رشّاشه وجَرى خلْفه أخوهُ عبد السّتير وأبناءُ عُمومته وعلى رأسِهم الشّاب جاسم.
فأسْرع النّاس إليهم"مالَكُم، مجانين؟، غطّوا وجوهَكُم، الأمريكان- الجواسيس-!!"؛ والرّجُل يجأرُ بأعلى صوْته:"أخرُجوا يا ناس، دافِعوا عنْ أعراضِكم، لن يترُكوكم، أصدُقوا مع الله ساعة"؛ وأحسنُ النّاس من يأتِ له بـ"شماغ"يغطّي به وجْهه أو شِربةُ ماءٍ يروي بها ظمأه.
ورأيتُ والله الحُرقةَ على الدّين تملأُ عُيونه، والخوفَ على العِرْض يملأُ قلْبه، والجرأةُ في أمرِ الله سمْته. فقُلت؛ سبحان الله، صدَق ابنُ عبّاس لمّا تكلّم عنْ أبي بكر، فقال"ما سَبَقكُم أبو بكرٍ بكثيرِ صلاةٍ ولا صيام، ولكن بشيءٍ وقَر في قلْبه". ولعل عُمر حديد وقَرَ في قلبِه حبُّ الدّين والغَيْرة على أهلِه، فلِذا ضحّى بنَفسه وأهله ولم يلْتفت.
ولكن سبحان الله القائل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} . فعلى قدْر البلاغِ تكونُ العِصْمة، كما قال الشّيخ سيّد قطب رحمه الله.
وعلى الرّغم من أنّ كثيراً من بُيوت الفلّوجة قُصِفَت ودمّرت برغم خلوّها حيثُ هجَرَها أهلُها وفرّوا، إلا أنّ بيتَ عُمَر والّذي كان مأوىً للمُجاهدين من المُهاجرين والأنْصار ومقراً لطعامِهم ودوائِهم، فلمْ يُصَب بسُوء، بل أنّهم قصَفوه أكثر مِن مرّة ولم يُصَب بِسوء بلْ دُمرّ ما حوله؛ فسُبحان الله.