بدأتْ المعركةُ؛ وشكّل عُمر مع الشّيخ أبي أنسٍ الشّاميّ وأبي عزّام وغيرهم القيادةَ العامّة للمعركة. وكان من نصيبِ عُمر، الإشرافُ العامّ أو الإمارة العامّة على أثْخن أماكِن الصّراع وأشدّها وطأة؛ (الجولان) ، حيثُ حاول العدوّ مرّات ومرّات أنْ يدْخُل المدينة من جهتها، لأسبابٍ كثيرة أهمها:
-قِصَرُ المسافة بين مواقع العدوّ ومقرّ الجولان.
-طولُ خطّ الجبْهة من هذه الجهة، ممّا يصعُب على المجاهدين حمايته.
فوالله لقد كنْتُ في هذه الجبْهة، فلصوتُ عُمرَ في المعْركة بألفِ فارس، ورؤيتُه ترفعُ الرّوح المعْنوية وتزرعُ الثّقة في النّفوس.
أذْكُر مرّة أنّ مجموعةً من الأخوة ذهبت لمهاجمةِ أحدِ مواقع الأمريكان، وبَلَغ الخبَرُ إلى الشّيخ عمر حديد، أنّ الأخوة محاصَرون، فجاءَ كأنّه الرّيح المُرسلة يحمِل رشّاشه، وكان من نوع"ناتو- أبو الأخمص الحديدي"، وبدَأ ينشُر الأخوة ويزْأر فيهم:"لابدّ أن نّخلص الأخوة، هيّا يا شباب"، وتقدّم بنفسه من أحدِ الجهات، وبدأ بتنسيق الجهات الأخرى حتى يسّرَ الله وخرَج الأخوة مُنتصرين بعد أنْ كانوا مُحاصرين.
وكانت نُقْطة الشّيخ عُمر دائماً محِلاً لِقصْفٍ دائِم ومستمر، فلم يتركوا فيها أرضاً ولا بيتاً، آخِرُهم كان البيتَ الذي يُستخدَمُ مخزناً للذّخيرة، وكان ذلك قبل انتهاء المعركة بأيام، وكانت هذه الذّخيرة آخِرَ ما كان عنْدنا من عَتاد، فحزِنَ عُمر حُزناً شديداً، وأشتكى إلى الشّيخ أبي أنس، فقال له"يفرّجُ اللهُ يا عُمر"، وبعدَها جاءَ النّصْر والظّفر، وذلك بعد استِفْراغ الوِسْع في بذْل السّبب، فلمّا ذهَبَت أسبابُ الأرضِ، نزَل سببُ السّماء بفتحٍ مُبين.
ثمّ بدأ الشّيخ عُمر بعد الفلّوجة الأولى أهمّ مراحِل حياته، حيثُ بدأ يؤسّس لِبداية عصْرٍ من الخيرِ والبَركة، فشكّل مع مجموعةٍ من إخوانه (مجلس شورى المجاهدين) ، والذي كان يأملُ أن يكونَ نواةَ حكمٍ إسلاميّ لمدينة الفلوجة، بل بدَأ عُمر وإخوانه يقومون بواجبِ الأمْر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وقامَ بتنْحية شُيوخ التّصوف المذموم، الذين فرّوا من المدينة مع بداية الهُجوم الأمريكي، وقامَ بتعيين مجموعةٍ من الشّباب الموحّد، ممّا جعل عُمر عَرَضاً لسِهام هؤلاء الجبناء، فبدءوا يُلصقون به كلّ تُهمة، ويبرّؤنه من كلّ حسنه، لكنِ الشّرفاء من أهل المدينة عرِفوه ناصحاً للناس حاكماً بينهُم بالعدْل، و إذا عُرِضت عليه مُشْكلة يأخُذ الحقّ من الظّالم مهْما كانَ حجْمُه وقدْره.
و من مآثر عُمر المعروفة أنّه لمّا شَعَر بأنّ فيْلق الفلّوجة مِن الحرسْ الوثني، بدأتْ تظهرُ منه رائحةُ الغدْر و الخيانة، هجَم على مقرّاته، وقبَض على رؤوسهم، ثمّ أعدَمهم واسْتولى على مقرّاتهم بما فيها مِن سِلاحٍ وعتادٍ ولباس، وطهّر المدينة من دَنَسهم؛ ولِحُزن الأمريكان عليهم، قامَ هؤلاء الغُزاة بعمَل لوحةٍ ضخْمة أمامَ أحَد أهمّ قواعدهم، عليها صورةُ آمِر الحرسْ الوثنيّ بالفلّوجة. ثمّ أستمرّ عُمر يُعدّ ويُجهّز لِغزْو مُحتمل من الأمريكان، بدْءاً مِن تجهيز وشِراء السّلاح، وسدّ الثّغَرات، وأُسنِدت إليه مرّة أُخرى قيادةُ الجولان.
وجاءت أحداثُ الفلّوجة الثانية، وكان موْقِعه كما أسلفْنا بالجولان، وكنْتُ بحي نزّال مع الشيّخ أبي عزّام، وعبد الهادي وأبي رَبيع، وآخرينَ مِن المهاجرين والأنصار، و بدأتْ أخْبار الجولان تأتي إلينا غيرَ سارّة البتّة، وكان آخرُها ألماً أنّ عُمر حديد قد قُتِل، فتألمّ الجميع وصارُ الحُزن سيّد الموقف.
وفي صبيحةِ يومٍ مُشْرق، أطلّ علينا عُمر وقد أُصيبَ في ظهْره وكتِفه الأيمن، يحمِلُ رشّاشه، و في هذه المرّة (إم 16) الأمريكي فكبّرنا جميعاً، وسجدْنا لله شُكرا، ثمّ حكى لنا قصّة إصابته وكيف أستطاع مع إخوانه فكّ طوقِ الحِصار المفروض عليه، وجاء إلى حي نزّال، ومن هذا الحيّ بدأ عُمر يُمارس دورَه القياديّ، فعلى الرّغم من إصابته و صُعوبة حركته، كانت إذا استعصَت مِنطقةٌ