فهرس الكتاب

الصفحة 563 من 3505

أرسلناهُ إليها لسبب هامّ؛ أنّ الأخوة إذا رأوه يتحمّسون ويتشجّعون ويكونُ الإقدام شِعارَهم ومنهُم منْ يستحي منه، ثمّ إن عُمر كان صاحِب سرٍّ في هذا الأمر اللهُ بهِ عليم. وأقتحم الأمريكان حي نزّال، وقاتَل قِتال الأبطال، وتفرّق الأخوَة مجموعاتٍ، فذهبْتُ مع مجموعةٍ وذهبَ هوَ مع أُخرى، ثمّ جاءَ مع محمّد جاسم العيساوي (أبو الحارث) ، وآخرينَ والبَسْمة تعلو وجهه قائلاً:"إنْ شاء الله النّصر لنا، نهزمُهم إن شاء الله، إنّا نطْمعُ فيما عند الله"، وكُنْت أعلم أنّه يعني الجنّة، ثمّ بدأ القتال يتم في أنحاء حي نزّال فبدأنا ننحازُ منْ بيتٍ لِبيْت.

وفي هذِه الأيّام انْحازَ الأخوة ولمْ أستطع أنا وثلاثةٌ منَ الأخوةِ أنْ ننْحاز لأسبابٍ كثيرة؛ ونَظَر عُمر إلى البيْت الذي كُنْت فيه، فجُنّ جُنونه، لأنّه رأى القنّاصة فوق سطْح البيْت وخافَ عليْنا خوفاً شديداً، فأخَذ سِلاحه الـ (إم 16) ، وبدَأ يقنُص عليهم، فقَنَص الأوّل ثمّ قنَص الثّاني، و على إثرِها فرّ الجُبناءُ منْ سطْح البيت، ممّا سهّل خُروجنا بحَوْل الله من المنزل.

ثمّ جاءَ (نداءُ المرأة) كما يعرِفُه منْ كانَ في حيّ نزّال، والذي أمَروا فيهِ بخُروج كلّ حيّ منَ المدينة إلى أماكِن حدّودها. فعَلِم الجميعُ أنّ الموْت قادِمُ لا محالة، وأنّ الجُبَناء سوْف يستخدمونَ أساليبَ قذِرة.

وبالفِعْل، استُخْدمت الغازاتُ السّامّة والحارقة، وما كَشفوهُ مؤخّراً مِنَ مَوضوعِ الفُسْفور الأبيضِ غَيْضٌ من فَيض.

وبدأ عُمر ينْحازُ من مكانٍ لآخر، حتّى أستقرّ به المَقامُ في أحدِ البُيوت معَ أكثرِ مِن عشرةٍ مِنَ الأخوة. وإذا به يشعُر بالأمريكانِ يحاولون اقتِحامَ المنْزل، فصَعِد على السّطح وبدأ في الاشتباك مَعهم، لكنّ طلقةَ قنّاصٍ كانَ مختبئً في بيتٍ مُقابلٍ أصابتْه في رأسه، فترجّل الفارِس، وإنْ صحّ التّعبيرُ، فركِب الفارسُ جَوادَه ليصُولَ بِه ويجول في عَلياءِ المجْد والشّرف و يمرَح به في جنات عدنٍ عند مليكٍ مقْتدر، نحسبُه والله حسيبه.

وأصابَ الأخوة بعدَه ما أصابهُم، لكنّ الجميعَ أحتسبَه عنْد الله، فقدْ ارتاحَ منْ هذه الدّنيا وتعبِها. ومِنْ جَميل الأشياءِ أنّ الأمريكانَ استخْدَموا في حربِهم هذه كلّ وسيلةٍ كعادتهم، ومنها الحرْبُ النّفسية.

وموْضِعُ الجَمال في القصّة: أنّه كثيراً ما كانوا يُنادونَ في مكبّرات الصّوت:"أخرُجوا، سلّموا أنْفُسكم، إنّكم مُحاصَرون، سنُبيدُكم، لقدْ فرّ قادتُكم، لقدْ ترَكوكم، عُمر حديدْ الجَبان فرّ وتركَكُم، طلَب الحياة وترككُم تموتون ..."

فيسْمعُها عُمر ويضْحكُ، والإخوةُ منْ حولِه يضْحكون، ويزْدادونَ ثباتاً ويَقيناً فيما عنْد الله، {فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} .

وأذكُر مرّة أنّهم قالوا فيما قالوا: لقدْ جِئناكُم بأسْلِحة مُدمّرة، سوفَ تَحرِق الأرضَ عليْكم و تُمطِر السّماءُ ناراً، عِندنا قوّة جبّارة لا طاقةَ لأحدٍ بها، فضَحِكْتُ والله ساعَتَها مِن صميم قلْبي، وقلْت لإخواني:"أبْشِروا، فوالله هذا الكلام بعده الفرجُ القريب". فما تأخّر والحمد لله، وفي الخِتام أسألُ الله ألاّ يحرِمَنا منْ عُمر وإخوانه في الجنّة، وأن يرزُقني بحبّه وحبّ أمثالِه ما أطمعُ به فيه، والله المُستَعانُ وعليهِ التّكَلان.

وكتبه

أبو إسماعيل المهاجر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت