فهرس الكتاب
إلا أنه إذا اضطررنا إلى الموازنة والترجيح بينهما؛ فإن خطر أعداء الطائفة المجاهدة - والله أعلم - أشد على الجهاد والمجاهدين من خطر إخوانهم المجاهدين معهم، والذين يجمعهم عمل واحد هو محاربة أعداء الملة والدين.
وسؤالك هذا ذكرني بكلام أهل العلم في التفريق بين الخوارج أهل الغلو والإفراط، وبين المرجئة أهل التفلّت والتفريط، وكان كلامهم رحمهم الله يبيّن أن خطر أهل التفلّت والتفريط أشد - في مجمل الأمر - من خطر أهل الغلو والإفراط؛ ?ن الدين يضيع على أيدي أهل التفلت والتفريط سواء بقصد أم بغير قصد، والسبب في ذلك أنهم آثروا الدنيا على الآخرة، وفرطوا في ثوابت هذا الدين، فكان مآلهم في غالب أمرهم خيانة الملة والأمة.
وأما أهل الغلو والإفراط فقد أُتُوا من قِبَل حرصهم على الدين، وخوفهم على بيضة ا?سلام، فشتان بين الفريقين.
وانظر مثلا إلى صنيع العلماء المحدثين، حيث كانوا يأخذون عن الخوارج دون غضاضة، في حين أنهم كانوا أشد حرصًا في الأخذ من غيرهم؛ وذلك ?ن الخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة؛ فيصعب أن يتعمد أحدهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها كبيرة مكفرة، تجعل صاحبها خالدًا مخلدًا في النار وفق ما يعتقدون؛ وذلك على العكس من غيرهم الذين كان بعضهم يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ويدعي أنه لا يكذب على الرسول، بل يكذب له، وذلك كما هو مشهور عن الكرّامية من فرق المرجئة، وبصنيع هؤلاء يضيع الدين ويفسد، ويدخله التبديل والتحريف.
ولو رجعت لمتون العقيدة لعلماء أهل السنة والجماعة لوجدتهم عند ذكر بعض المسائل والأقوال والمعتقدات التي يجب التحذير منها؛ تجدهم أكثر ما يذكرون أقوال أهل الإرجاء,"من فعل كذا فهو مرجئ، ومن قال كذا فهو مرجئ", على عكس الخوارج, فقلما تجد هذا بحقهم في متون العقيدة, وما هذا إلا لعظيم خطر الإرجاء والمرجئة على الأمة، والذي منبعه التفلّت والتفريط.
وتأمل هذا القول للشيخ العالم بكر أبو زيد رحمه الله في كتابه الردود: (وهذا"الإرجاء"- تأخير العمل عن حقيقة الإيمان- أخطر باب لإكفار الأمة، وتهالكها في الذنوب، والمعاصي، والآثام، وما يترتب عليه من انحسار في مفهوم العبادة، وتمييع التوحيد العملي"توحيد الألوهية"، وكان من أسوأ آثاره في عصرنا شرك التشريع بالخروج على شريعة رب الأرض و السماء، بالقوانين الوضعية فهذه على مقتضى هذا الإرجاء، ليست كفراً, ومعلوم أن الحكم بغير ما أنزل الله معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله و رسوله.
هذا؛ وقد كان الأوزاعي رحمه الله يقول كان يحيى بن أبي كثير وقتادة يقولان: ليس من أهل الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء.
فالكلام هنا عن الإرجاء وليس عن طائفة المرجئة، أي عن الفكرة نفسها، والتي تمثل التفلّت وتهوين المعاصي وتسهيلها وتبريرها، وكلامهم رحمهم الله يُفهم منه ضمنا أن أهل التفريط والتفلّت خطرهم على دين ا?سلام وأهله عظيم، وكذا على أهل الجهاد لكونهم داخلون في عموم أهل الإسلام.
هذا؛ والله تعالى أعلى وأعلم.
أما مسالة تكفير الأعيان والتوسع فيها؛ فأحب أن أنبه إلى أمر مهم وذي بال، وهو أنه إذا صدر حكم التكفير وِفْقَ القواعد والشروط والضوابط المنهجية السليمة دون خطأ أو زلل، أو هوى أو جهل؛ فلا يفجعنا كثرة الخارجين بذلك الحكم، ولا يجعلنا ذلك