فهرس الكتاب

الصفحة 841 من 3505

ثم أبين ما قد يلتبس على كثير من الناس، وهو استعجال النصر أو النظر إلى النصر بمنظور ضيق، فتجد الكثير قد قصر نظره على نوع واحد من أنواع النصر؛ وهو النصر الظاهر، ولكن حقيقة الأمر أنه لا يلزم أن يكون هذا هو النصر الذي وعد به الله أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين، فقد يتجلى في صور أخرى لا يلمحها كثير من الناس.

فها هم أصحاب الأخدود يُلقون جميعًا في النار، ولا يقبلون المساومة على دينهم، ويفضلون الموت في سبيل الله، ثم يحفر الطاغوت أخاديده، ويوقد نيرانه، ويأمر زبانيته وجنوده بإلقاء المؤمنين فيها، ولا تسجل الروايات أن أحدًا منهم تراجع أو جبن أو هرب، بل نجد الإقدام والشجاعة، وذلك بالتدافع إلى اقتحام النار، وكأنهم يتلذذون في تقديم أرواحهم فداءً لدينهم؛ فكانوا هم المنتصرين، بل سمى الله عز وجل خاتمتهم بـ: (الفوز الكبر) ؛ {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج:11] .

ولكن بنظر الناس اليوم؛ هل يعتبر ما حدث مع أصحاب الأخدود نصرًا؟! وهم لم يبقَ منهم أحد، وقضوا جميعًا في أخاديد الطاغوت، بل لكان لسان حال الناس اليوم أن أصحاب الأخدود خسروا المعركة، وانتهت دعوتهم، ولم يبقَ أحد ليصدع بالحق وينشر الدين، وأنهم كان يجب عليهم أن يأخذوا بالرخص ويكتموا إيمانهم، فهم يعتبرون مكرهين ... ، ولكن الصفعة في وجه كل هؤلاء أن الله تعالى خلّد ذكرهم، وكتب علينا أن نتعبده تعالى بتلاوة قصتهم إلى يوم الدين.

وها هم أصحاب الكهف الذين خلّد الله ذكراهم إلى يوم الدين، إذ طلبوا من الله تعالى الهداية والرشاد؛ فأخبرنا عنهم المولى بقوله: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف: 10] ، فاستجاب سبحانه لهم بسبب ثباتهم على الحقّ، واعتزالهم والفرار بدينهم، وبعدهم عن الشرك وأهله، فقال تعالى: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَاوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا} [الكهف: 16] ، فما هو النصر الذي حققوه سوى الفرار بدينهم والتخفي عن أعين أعدائهم، وإيثار المطاردة والفرار بالدين، ومع ذلك حُمد فعلهم، ورُفع شأنهم، وخُلّد ذكرهم.

ومن أنواع النصر الخفي الذي لا يراه إلا المؤمنون؛ أن عدو الحق مهما كان متجبّرًا مسرفًا في معاملة خصمه إلا أنه يتجرع ألوانًا من الأذى المعنوي والعذاب النفسي بعد أن يقدم على إيذاء خصمه، بل وأحيانًا قبل أن يفعل فعلته، فإنه لا يجد للراحة مكانًا، ولا للسعادة طعمًا.

وقد جاء القرآن معبرًا عن هذه الحقيقة كما في قوله تعالى: {إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء:104] .

بل نزيد على ذلك؛ فبفضل الله إن مجرد بقاء إخواننا المطاردين ممن رفضوا الدخول في ذلّ الطواغيت وحكمهم، مجرد بقاؤهم أحرارًا يروحون ويغدون في أرض القطاع رغم أنف آلاف كلاب الحراسة والزّنّانات (المرشدين) التي لا تكفّ عن البحث وتوزيع صور الإخوة، فهذا هو نصر حقيقي، فيه ما فيه من العزة والفخر للإخوة، بل لكل حمَلة المنهج، وفيه كذلك الخزي والمهانة على وجوه طواغيت حكومة القوانين الوضعية، ولا ندّعي البراعة أو الحنكة، فما ذلك إلا توفيق الله وحفظه للإخوة، لأمر هو أعلم به سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت