حديثًا ، وأن العابر لا يضع يده من الرؤيا إلا على ما تعلقت أمثاله ببشارة أو نذارة أو تنبيه أو منفعة في الدنيا والآخرة ، ويطرح ما سوى ذلك لئلا يكون ضغثًا أو حشوًا مضافًا إلى الشيطان . وأن العابر يحتاج إلى اعتبار القرآن وأمثاله ومعانيه وواضحة كقوله تعالى في الحبل: ! ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) ! وقوله في صفحات النساء: ! ( بيض مكنون ) ! وقوله في المنافقين ! ( كأنهم خشب مسندة ) ! وقوله: ! ( إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ) ! وقوله ! ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ! وقوله: ! ( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ) ! وأنه أيضًا يحتاج إلى معرفة أمثال الأنبياء والحكماء . وأنه يحتاج أيضًا إلى اعتبار أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمثاله في التأويل كقوله: ' مس فواسق: وذكر الغراب والحداة والعقرب والفأرة والكلب العقور ' وقوله في النساء: ' إياك والقوارير ' وقوله: ' المرأة خلقت من ضلع ' . ويحتاج العابر أيضًا إلى الأمثال المبتذلة كقول إبراهيم عليه السلام لإسماعيل: غير أسكفة الباب أي طلق زوجتك وقول المسيح عليه السلام وقد دخل على مومسة يعظها: إنما يدخل الطبيب على المريض يعني بالطبيب العالم بالمريض المذنب الجاهل وقول لقمان لابنه: بدل فراشك يعني زوجتك ، وقول أبي هريرة حين سمع قائلًا يقول: خرج الدجال ، فقال: كذبة كذبها الصباغون يعني الكذابين وأنه محتاج مع الرجز والشعر إلى اعتبار معانيه ليقوى بذلك على معاني أمثال المنام كقول الشاعر: ( وداع دعاني للندى وزجاجة ** تحسَّيتها لم يعن ماء ولا خمر ) يعني بالداعي دعوة الغني وبالزجاجة فم المرأة ، وكقول الآخر: ( أنت ورد وبقاء الورد ** شهر لا شهور ) ( وهواي الآس والآس ** على الدهر صبور ) فينسبه بذلك إلى قلة بقاء الورد والنرجس ودوام الآس وبقائه ، ويتأول ذلك بذلك في الرؤيا إذا جاء فيها ، وأنه محتاج إلى اشتقاق اللغة ومعاني الأسماء ، كالكفر أصله التغطية ، والمغفرة أصلها الستر ، والظلم وضع الشيء في غير موضعه ، والفسق الخروج والبروز ونحو ذلك وأنه محتاج إلى إصلاح حاله وطعامه وشرابه وإخلاصه في أعماله ليرث بذلك حسن التوسم في الناس عند التعبير وأن الرؤيا الصادقة قسمان: قسم مفسر ظاهر ولا يحتاج إلى تعبير ولا تفسير ، وقسم مكنى مضمر تودع فيه الحكمة والأنباء في جواهر مرئياته ، وما كان له طبع في الصيف وطبع في الشتاء عبر عنه في كل حين يرى فيه بطبع وقته وجوهره وعادته في ذلك الوقت ، كالشجر والتمر والبحر والنار والملابس والمساكن والحيات والعقارب وما كان له طبع بالليل وطبع بالنهار عبر عنه في رؤية الليل بطبعه وفي رؤية النهار بعادته ، كالشمس والقمر والكواكب والسرج والنور والظلمة والقنافذ والخفاش وأمثال ذلك . ومن كانت له في الناس عادة لازمته من المرئيات في سائر الأزمان أو وقت منها دون وقت ترك فيها وعادته التي عوده ربه تعالى كالذي اعتاد ، إذا أكل اللحم في المنام أكله ، وإذا رأى الدراهم دخلت عليه أفاد مثلها في اليقظة ، وإذا رأى الأمطار رآها في اليقظة أو يكون عادته في ذلك وفي غيره على ضده وعلى خلاف ما في الأصول وكل ما له في الرؤيا وجهان: وجه يدل على الخير ووجه يدل على الشر ، أعطى لرائيه من الصالحين أحسن وجهيه ، وأعطى لرائيه من الصالحين أقبحهما ، وإن كان ذلك المرئي ذا وجوه كثيرة متلونة متضادة متنافية مختلفة لم يصر إلى وجه منها دون سائرها إلا بزيادة شاهد وقيام دليل من ضمير الرائي في المنام أو من دليل المكان الذي رأى نفسه فيه . وأن الرؤيا تأتي على ما مضى وخلا وفرط وانقضى ، فتذكر عنه بغفلة عن الشكر قد سلفت ، أو بمعصية فيه قد فرطت ، أو بتباعة منه قد بقيت ، أو بتوبة منه قد تأخرت ، وقد تأتي عما الإنسان فيه وقد تأتي عن المستقبل ، فتخبر عما