فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 310

سيأتي من خير أو شر ، كالموت والمطر والغنى والفقر والعز والذل والشدة والرخاء ، وأن أقدار الناس قد تختلف في بعض التأويل حسب اختلافها في نقصانها في الحدود والحظوط وإن تساووا في الرؤيا ، فلا يجيد تعبي ذلك المرئي الذي يتفقون في رؤيته في المنام إلا واسع المعاني متصرف الوجوه كالرمانة ، ربما كانت للسلطان كورة يملكها ، أو مدينة يلي عليها يكون قشرها جدارها أو سورها وحبها أهلها ، وتكون للتاجر داره التي فيها أهله أو حمامه أو فندقه أو سفينته الموقرة بالناس والأموال في وسط الماء ، أو دكانه العامر بالناس ، أو كتابه المملوء بالغلمان ، أو كيسه الذي فيه دارهمه ودنانيره ، وقد يكون للعالم أو للعابد الناسك كتابه ومصحفه وقشرها أوراقه وحبها كتابه الذي به صلاحه . وقد تكون للأعزب زوجة بمالها وجمالها ، أو جارية بخاتمها يلتذ بها حين افتضاضها وقد تكون للحامل ابنة محجوبة في مشيمتها ورحمها ودمها ، وربما كانت في مقادير الأموال بيت مال السلطان ، وبدرة للعمال ، وألف دينار لأهل اليسار ، ومائة دينار للتجار ، وعشرة للمتوسط ، ودرهماص للفقير ، وخروبة للمساكين أو رغيف خبز أو مدًّا من الطعام أو رمانة كما رآها لأنها عقدة من العقد تحل في الاعتبار والنظر والقياس في الأمثال المضروبة للناس على الأقدار والأجناس . وما كان من الشجر ذات السوق والشعب المعروفة بالفريقين فأكرمها عرب وما كان منها لا ساق لها كاليقطين ونحوه فهو من العجم ، أو من لا حسب له كالمطروح والحميل واللقيط وبذلك يوصل إلى فوائد الزوائد وعوائدها . وربما رأى الإنسان الشيء فعاد تأويله إلى شقيقه أو ربيبه أو سميِّة أو نسيبة أو صديقه أو جاره ، أو شبهه في فن من الفنون ، وإنما يشرك بين الناس في الرؤيا بوجهين من هذه الأسباب ، كمن يتفق معه في النسب الواحد كشقيقه لاشتراكه معه في الأبوة والنسب والبطن ، وكسميِّه وجاره ونظيره ، فلا تصح الشركة إلا بوجهين فصاعدًا ، وليس تنقل الرؤيا أبدًا برأسها عمن رئيت له إلا أن لا تليق به معانيها ، ولا يمكن أن ينال مثله موجبها ، ولا أن ينزل به دليلها ، أو يكون شريكه فيها أحق بها منه بدليل يرى عليه وشاهد في اليقظة والنظر يزيد عليه ، كدلالة الموت لا تنقل عن صاحبها إلا أن يكون سليم الجسم في اليقظة ، وشريكه مريضًا فيكون لمرضه أولى منه لدنوه من الموت ، واشتراكه معه في التأويل ، فلذلك يحتاج العابر إلى أن يكون كما وصوفا أديبًا ذكيًا فطنًا نقيًا تقيًا عارفًا بحالات الناس وشمائلهم وأقدارهم وهيئاتهم ، يراعي ما تتبدل مرائيه . وتتغير فيه عبارته عند الشتاء إذا ارتحل ، ومع الصيف إذا دخل عارفًا بالأزمنة وأمطارها ونفعها ومضارها ، وبأوقات ركوب البحار وأوقات ارتجاجها ، وعادة البلدان وأهلها وخواصها ، وما يناسب كل بلدة منها ، وما يجيء من ناحيتها كقول القتبي في الجاورس: ربما دل على قدوم غائب من اليمين لأن شطر اسمه جا والورس لا يكون إلا من اليمن عارفًا بتفصيل المنامات الخاصية من العامية فيما يراه الإنسان من المرئيات التي تجتمع العالم والخلق في نفعها ، كالسماء والشمس والقمر والكواكب والمطر والريح والجوامع والرحاب ، فما رآه في منامه في هذه الأشياء خاليًا فيه مستبدًا به ، أو رآه في بيته فهو له في خاصيته . وقد قالت القدماء: من غلبت عليه السوداء رأى الأحداث والسواد والأهوال والأفزاع . وإن غلبت عليه الصفراء رأى النار والمصابيح والدم والمعصفر وإن غلب عليه البلغم رأى البياض والمياه والأنداء والأمواج وإن غلب عليه الدم رأى الشراب والرياحين والعزف والصفق والمزامير وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ' الرؤيا ثلاثة: فرؤيا بشرى من الله تعالى ، ورؤيا من الشيطان ، ورؤيا يحدث بها الإنسان نفسه فيراها ' وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ' ذهبت النبوة وبقيت المبشرات ' وقد قال بعض المفسرين في قوله عز وجل: ! ( لهم البشرى في الحياة الدنيا ) ! قال: هي الرؤيا الصالحة وقيل: إن العبد إذا نام وهو ساجد يقول ربنا عز وجل: انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده في طاعتي ، وروي عن أبي الدرداء قال: إذا نام الرجل عرج بروحه إلى السماء حتى يؤتى بها العرش فإن كان طاهرًا أذن لها بالسجود ' . وقد اختلف الناس في النفس والروح فقال بعضهم: هما شيء واحد مسمى اسمين كما يقال إنسان ورجل وهما الدم أو متصلان بالدم يبطلان بذهابه ، والدليل على ذلك أن الميت لا يفقد من جسمه إلا دمه ، واحتجوا لذلك أيضًا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت