فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 310

اللغة ، ويقول العرب: نفست المرأة إذا حاضت ، ونفست من النفس وبقولهم للمرأة عند ولاتها نفساء لسيلان النفس وهو الدم ، وربما لم يزل جاريًا على ألسنة من قولهم: سالت نفسه إذا مات ، قال أوس بنحجر: ( نبئت أن بني سحيم أدخلوا ** أبياتهم تأمور نفس المنذر ) والتامور الدم أراد قتلوه أضاف الدم إلى النفس لاتصالها به وقال آخرون: هما شيئان فالروح باردة والنفس حارة ولهذا النفخ يكون من الروح ولذلك تراه باردًا ، بخلاف النفس من النفس فإنه سخين ، وسميت العرب النفخ روحًا لأنه من الروح يكون على مذهبهم في تسمية الشيء بما كان متصلًا به ، وسببًا له فيقولون للنبات ندى لأنه بالندى يكون ، ويقولون للمطر سماء لأنه من السماء ينزل ، قال ذو الرمة لقادح نار: ( فقلت له ارفعها إليك وأحيها ** بروحك واجعلها لها قنية قدرا ) يريد أحيها بنفخك وأنشد بعض البغداديين: ( وغلام أرسلته أمه ** باشاحين وعقد من ملح ) ( تبتغي الروح فأسعفنا بها ** وشفاه ماء عين في قدح ) وهذه امرأة استرقت لولدها فابتغت الروح أي في نفخ الراقي إذا نفث في ماء من ماء العيون وأخذوا النفس من النفس ، وقالوا للنفس نسمة يقال: على فلان عتق نسمة أي عتق نفس والله عز وجل يقول: ! ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) ! وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الروح روح الحياة في هذه المواضع وذهب بعض المفسرين إلى أنه ملك من الملائكة يقوم صفًا وتقوم الملائكة صفًا ، فإن كان الأمر على ما ذكر الأولون فيكف يتعاطى علم شيء استأثر الله عز وجل به ولم يطلع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وقد امتحن بالسؤال عنه ليكون له شاهدًا ولنبوته علمًا قال ابن قتيبة: لما كانت الرؤيا على ما أعلمتك من خلاف مذاهبها وانصرافها عن أصولها بالزيادة الداخلة والكلمة المعترضة وانتقالها عن سبيل الخير إلى سبيل الشر باختلاف الهيئات واختلاف الزمان والأوقات ، وأن تأويلها قد يكون مرة من لفظ الاسم ، ومرة من معناه ، ومرة من ضده ، ومرة من كتاب الله تعالى ، ومرة من الحديث ، ومرة من المثل السائر والبيت المشهور ، واحتجت أن أذكر قبل ذكر الأصول أمثلة في التأويل لأرشدك بها إلى السبيل ، فأما التأويل بالأسماء فتحمله على ظاهر اللفظ كرجل يسمى الفضل تتأوله إفضالًا ، ورجل يسمى رائدًا تتأوله إرشادًا أو رشدًا ، أو سالمًا تتأوله السلامة ، وأشباه هذا كثيرة . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ' رأيت الليلة كأنا في دار عقبة ابن رافع فأتينا برطب ابن طاب فأولت أن الرفعة لنا في الدنيا والآخرة وأن ديننا قد طاب ' فأخذ من رافع الرفعة وأخذ طيب الدين من رطب ابن طاب . وحكي عن شريك بن أبي شمر قال: رأيت أسناني في النوم وقعت فسألت عنها سعيد بن المسيب فقال: أوساءك ذلك إن صدقت رؤياك لم يبق من أسنانك أحد إلا مات قبلك ، فعبرها سعيد باللفظ لا بالأصل ، لأن الأصل في الأسنان أنها القرابة وحكي عن بشر بن أبي العالية قال: سألت محمدًا عن رجل رأى كأن فمه سقط كله فقال: هذا رجل قطع قرابته فعبرها محمد بالأصل لا باللفظ وحكي عن الأصمعي قال: اشترى رجل أرضًا فرأى أن ابن أخيه يمشي فيها فلا يطأ إلا على رأس حية فقال: إن صدقت رؤياه لم يغرس فيها شيء إلا حيي قال: وربما اعتبر الاسم إذا كثرت حروفه بالبعض على مذهب القائف والزاجر مثل السفرجل إذا رآه ولم يكن في الرؤيا ما يدل على أنه مرض تؤوّله سفرًا لأن شطره سفر ، وكذلك السوسن إن عدل به عما ينسب إليه في التأويل وحمل على ظاهر اسمه تأول فيه السوء لأن شطره سوء ، قال الشاعر: ( سوسنة أعطيتها فما ** كنت بإعطائي لها محسنه ) ( أولها سوء فإن جئت بالآخر ** منها فهو سوى سنه ) وأما التفسير بالمعنى فأكر التأويل عليه كالأترج إن لم يكن مالًا وولدًا عبر بالنفاق لمخالفة ظاهره باطنه قال الشاعر: ( أهدى له أحبابه أترجة ** فبكى وأشفق من عيافة زاجر )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت