فيتوقف أخذ السلب في كل عصر على إذن إمامه , فإن لم يأذن أضيفت الأسلاب إلى الغنائم وسرى عليها حكمها) [1] والسلب ما كان القتيل لابسًا له من ثياب وخوذة ودرع وحذاء وأسورة وذخيرة وحُلي ونحو ذلك لأن المفهوم من السلب اللباس , وكذلك السلاح من بندقية وذخيرة وسكين ونحوه لأنه يستعين به في قتاله فهو أولى بالأخذ من اللباس أما ما معه من مال في جيبه أو محفظته فليس بسلب لأنه ليس من الملبوس ولا مما يستعين به في الحرب , والسلب لا يخمس فقد روى عوف بن مالك وخالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ولم يخمسه والقاتل يستحق السلب قال ذلك الأمير أو لم يقل ولكن دعواه القتل لا تقبل إلا ببينة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه) [2] قال الإمام أحمد: ولا يقبل إلا شاهدان.
قال ابن قدامة: ووجه الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر البيّنة وإطلاقها ينصرف إلى شاهدين , ولأنها دعوى للقتل , فاعتبر الشاهدين كقتل العمد , ويجوز سلب القتلى وتركهم عراة لقول النبي صلى الله عليه وسلم في قتيل سلمة بن الأكوع (له سلبه أجمع) وقال (من قتل قتيلًا فله سلبه) وهذا يتناول جميعه , واعلم أن القاتل لا يستحق سلب المقتول إلا بشروط هي ..
1 -أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتلهم .. فإن قتل امرأة أو صبيًا أو شيخًا أو فانيًا أو ضعيفًا مهينًا ونحوهم ممن لا يقاتل لم يستحق سلبه ليس فيه خلافًا فإن كان أحد هؤلاء يقاتل المسلمين استحق قاتله سلبه لأنه يجوز قتله.
2 -أن يكون المقتول فيه قوة غير مثخن بالجراح فإن كان مثخنًا بالجراح فليس لقاتله شيء من سلبه لأن معاذ بن عمرو بن الجموح قتل أبا جهل وجاء ابن مسعود وأجهز عليه وقد أثخنه بن عمرو بن الجموح بالجراح فقضى النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن عمرو بن الجموح ولم يعط بن مسعود شيئًا , المهم أن السلب لمن يكفي المسلمين شر ذلك.
3 -أن يقتله ويثخنه بجراح تجعله في حكم المقتول فيكفي المسلمين شره.
4 -أن يغرر بنفسه في قتله لأن السلب إنما يُستحق بالتغرير في قتله , قال الإمام أحمد: له السلب إن انفرد بقتله .. وعليه فإن حمل جماعة من المسلمين على واحد فقتلوه فالسلب في الغنيمة لأنهم لم يغرروا بأنفسهم في قتله .. وإن قتله اثنان فسلبه كذلك يعتبر مع الغنائم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرك بين اثنين في سلب إلا أن يكون أحدهما أبلغ في قتله من الآخر فالسلب له .. لأن أبا جهل ضربه معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء وأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبراه , قال (كلاكما قتله) وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. [3]
وإنما ذكرنا السلب بهذا التفصيل تحريضًا للمجاهدين في أرض النفير على قتال الكفار الظالمين ونية منفعةٌ ومددً لهم إن شاء الله ..
روى أبو قتادة قال (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر , فلما التقينا رأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين , فاستدرت له حتى أتيته من ورائه , فضربته بالسيف على حبل عاتقه ضربة فأدركه الموت , ثم إن الناس رجعوا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من"قتل قتيل له عليه بينة فله سلبه"قال: قمت فقلت من يشهد لي , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"ما يا أبا قتادة؟", فاقتصصت عليه القصة , فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله , سلب ذلك القتيل عندي فأرضه منه , فقال أبو بكر الصديق: لا ها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"صدق فأسلمه له"قال: فأعطانيه) [4]
وعن أنسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين (من قتل قتيلًا فله سلبه) فقتل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلًا فأخذ أسلابهم. [5]
(1) 424 - الأحكام السلطانية 139
(2) 425 - متفق عليه
(3) 426 انظر المغنى _ الجزء التاسع _ كتاب الجهاد
(4) 426 - متفق عليه
(5) 428 - رواه أبو داوود