فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 253

والناس في الابتلاء يختلفون فمنهم من يسخط ويقنط ويتحسر ويندم على دخوله هذا ومنهم من يصيبه الضعف مع الحفاظ على إيمانه , ومنهم من يصبر لحكم الله ويحتسب أجره عند الله وينتظر الفرصة لاستكمال الطريق , وأولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون. للأمن والإيمان والخير والحق والصلاح. والمهتدون كذلك للصرح الحامي لهذه المبادئ والمعتقدات. للخلافة والاستخلاف {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [1] والمؤمنون أيضًا على مراتب في الإبتلاء. فمنهم الصابر الراضي. ومنهم الشاكر بعد الصبر والرضا. فالصبر على البلاء والرضا به واجبين باتفاق العلماء. أما الشكر فمستحب ومن الإحسان أن نفعله حتى نكون من السابقين يوم القيامة.

إلا أن درجة الشكر لا يبلغها إلا القليل من الناس كأن تقول الحمد لله الذي سلَّمني من بلاءٍ أعظم ولم يجعلها في ديني وكفََر بها ذنوبي. الحمد لله الذي ابتلاني لحكمةٍ عظيمة يعلمها فيها خير كثير.

وعندما نتحدث عن الدين الإسلامي فإننا نتحدث عن رسالة عالمية عامة لكل العالمين الأولين والآخرين فلا شك أن الدين واحد وإن اختلفت الشرائع فقد كان لكل رسولٍ شرعةً ومنهاجًا وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم إلا أن شريعته هي الأتم والأكمل فهو إمام الأولين والآخرين وقائد الرسل أجمعين وسيد الخلق كلهم. يقول الله تعالى {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} [2] وهذا أمير الأنبياء وتاج الأولياء يقول (وبُعث كل نبي إلى قومه خاصة وبُعثت للناس عامة) [3] والقرآن هو الكتاب الجامع والكامل المصدق للرسل والكتب فهو كتاب الأولين والآخرين الذي يكفل السعادة في الدارين الأولى والآخرة لكل من يتمسك به ويعتصم. كيف لا والله تعالى يقول {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [4] قال الشنقيطي في تفسير هذه الآية (ومن هدي القرآن للتي هي أقوم بيانه أن كل من اتبع تشريعًا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم لذلك التشريع المخالف كفر بواح مخرج عن الملة الإسلامية) [5] ويقول جل شأنه {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [6] ومعنى خاشعًا أي ذليلًا خاضعًا لما في القرآن من الحق والنور والدستور الكامل. متصدعًا أي متشققًا لهول ما في القرآن من الوعيد لرافضي الحق ولهول العمى والضلال والاضطراب والتخلخل الناتج عن تركه وهجره ...

ولا بد للسائرين على درب الدعوة والجهاد الساعين لتحقيق الأهداف المنوطة به أن يتزودوا لهذا الطريق العسِر الطويل.

وخير الزاد المعين على حمل هذه الأمانة العظيمة هو التقوى - رأس طائر الإسلام الذي جناحاه الخوف والرجاء - الخوف من نار الله وعقوبته , ورجاء جنته ورحمته. والأنبياء كلهم كانوا يتمثلون هذين المعنيين في حياتهم وعباداتهم فقد كانوا يدعون ربهم رغبًا ورهبًا عليهم الصلاة والسلام والتقوى هي الاجتهاد والتشمير والتوكل على الله , فطريقنا ربما يكون قصيرًا وربما يطول، أيًا يكن فإن خير الزاد لدربنا العظيم بما يصاحبه من مشقة وعناء وجهد وابتلاء تقوى الله العظيم ولزوم طاعته.

فتمثل هذه المعاني الكبيرة في قلوبنا وبجوارحنا هو الذي يوصلنا إلى مآل هذه الرحلة , إلى السعادة الأبدية المقدسة.

(1) 436 - النور 55

(2) 437 - آل عمران 81

(3) 438 - متفق عليه

(4) 439 - الإسراء 9

(5) 440 - أضواء البيان للشنقيطي

(6) 441 - الحشر 21

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت