فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 253

ودعوتنا الخالدة حرصت على تنوير عقل الإنسان وهدايته للطريق القويم والصراط المستقيم .. وحددت له خط سيره ورسمت له برنامجًا واضحًا بناؤه الحق الجلي الأبلج الذي يجب عليه أن يسعى من خلاله لإقامة صرح الدين وإعمار الأرض أساس استخلافه فيها ..

واعلم أخا التوحيد أن الله لم يخلق الخلق عبثًا ولم يتركهم هملًا ولا سدى .. بل خلقهم لوظيفةٍ معلومةٍ من العبادة والتوحيد {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [1] ويعبدون أي يوحدون قاله الإمام محمد بن عبد الوهاب , وعبادة الله كما عرَّفها شيخنا ابن تيمية رحمه الله (هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة) [2] فالركوع والسجود والصلاة والذبح والنحر والطواف والحلف والاستعانة والاستغاثة والرجاء والخشية والدعاء والرغبة والرهبة والخشوع والمحبة والطاعة والإنقياد والتسليم كلها عبادات يجب ألا تكون إلا لله وحده لا شريك له فيها وهذا هو توحيد الإلهية - أي توحيد الله وإفراده في أفعال العبادة المتقدمة - أو كما يقول شيخنا أبو سليمان (هي فعلك يا العبد) ..

والمشركون لا يقرون بهذا التوحيد فيدعون مع الله آلهةً وأربابًا يدعونهم ويحبونهم ويطيعونهم من دون الله الذي يقول {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ , لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [3] قال ابن الجوزي (مقصود الآية أنه أخبرهم أن أفعالي وأحوالي لله وحده , لا لغيره كما تشركون أنتم به) [4] ولهذا قاتل النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء المشركين وأباح دماءهم وأموالهم مع أنهم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية - وهو إفراد الله في أفعال الخلق وبأنه هو المحيي المميت الرازق المدبِّر .. إلا أن هذا لم يخرجهم من دائرة الشرك إلى دائرة الإسلام .. واسمع إلى قول الله تعالى {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} [5] وهذا دليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم يقرون بتوحيد الربوبية ولكنهم لم يصرفوا العبادة لله تعالى وحده .. واعلم أخا التوحيد أن حياة المسلم كلها عبادة حركاتها وسكناتها ما دامت في طاعة الله .. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول (وفي بضع أحدكم صدقة) والصدقة عبادة من العبادات أي في إتيان زوجته لأنه كما الزنا معصية وكبيرة ونطفةٍ في موضعٍ حرمه الله عليه فإن النطفة في موضعها الذي أجله الله لها بهدف تماسك وتقوية وإكثار المجتمع المسلم هي في ذاتها عبادة يؤجر المرء عليها .. ولكونها كذلك انصياع لفطرة الله وأمره .. والعبادة من عبَّد أي طوَّع وذلَّل يقال طريق معبَّد أي مذلَّل من كثر الوطء [6] .. ولذلك قال بعض العلماء تغليظًا في باب المعاصي (ومن زنى فقد أشرك) قيل لأنه يخرج عن طاعة الله ويقول يا رب أنت قلت أن الزواج أفضل وأحصن وأطهر من الزنا , وأنا وجدت الزنا أفضل وأطهر من الزواج .. ومثلوا بذلك لكل المعاصي والكبائر ولقد جاء في الصحيح المتفق عليه التحذير والتغليظ والتخويف من فاحشة الزنا والتي انتشرت والعياذ بالله .. فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) [7] قال النووي في شرح الحديث (هذا الحديث مما اختلف العلماء في معناه , فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره , كما يقال: لا علم إلَّا ما نفع , ولا مال إلا الإبل , ولا عيش إلا عيش الآخرة , وإنما تأولناه .. لحديث أبي ذر وغيره(من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق) [8] نعم إن هذا التأويل

(1) 445 - الذاريات 56

(2) 446 - العبودية لابن تيمية

(3) 447 - الأنعام 162 - 163

(4) 448 - زاد المسير 3/ 161

(5) 449 - يونس 31

(6) 450 - انظر لسان العرب والقاموس المحيط

(7) 451 - فتح الباري 5/ 119

(8) 452 - متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت