سائغ في اللغة .. وإذا ورد حديثان مختلفان ظاهرًا وجب الجمع وقد فعلنا) [1] واعلم أن النوم عبادة لله إذا كان الهدف إراحة الجسم لكي يقوى على عبادة الله سبحانه .. وهذا مهم فتنبه!
واعلم هداك الله أن مبنى العبادات على قاعدتين هامتين ينبغي التنبه لهما وحفظهما (الإخلاص والصواب) يقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرءٍ ما نوى) [2] ويقول (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا) [3] فيجب أن يكون العمل خالصًا لوجه الله بعيد عن الرياء والشرك وغيرهما من الآفات التي تحبطه وتكدره .. والإخلاص محله القلب الذي لا يطلع عليه أحدٌ إلا الله سبحانه .. ويجب أن يكون العمل الصالح كذلك صحيحًا صوابًا كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأن نتبعه متابعة كاملة دقيقة لأنه (من عبد الله على جهالةٍ فقد عصاه) يقول الله تعالى {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} .. فمحبة الله لا تتحصل إلا بفعلِ ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأمر به وتَرْكِ ما تركه صلى الله عليه وسلم ونهى عنه .. لا بالبدع والأهواء التي لم يرد لها أصل في الشرع إضافة إلى أنها تميت القلب وتشوه الوجه الصافي والجوهر الوافي للدين الحنيف .. ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يوضح لنا وجه الصحة في كل عبادة وشروطها وأفضلية الأعمال وأولوياتها ..
يقول ابن كثير في تفسير الآية المتقدمة (هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله) [4] ولذلك رأينا الصحابة رضوان الله عنهم تابعوا النبي صلى الله عليه وسلم واقتفوا أثره واستنوا بسنته فتلقوا عنه أوامر الله ونواهيه ..
وكانت الطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره هي فحوى هذه المتابعة لا يبالون بما وراء ذلك فكانوا يتلقون للتنفيذ من قائدهم وقدوتهم وهذا هو العبادة .. بل كانوا يعدُّون الصغائر في عصر من تبعهم كبائر خطيرة يجب التورع عنها والحرص منها ..
ونحن اليوم نرى المسلمين يتلقون ويطالعون ولا يميزون في أخذهم بين الفاسد والصحيح .. وذلك كله ليس للتنفيذ بل لمجرد الخبرة والمتعة والمطالعة أو رصيد احتياطي للنقاشات والمجادلات .. ولربما تجده يحفظ كذا وكذا ولكنه لا يعمل بعشر ما يحفظ .. بل إذا حدث أمر يقول لك قال العالم الفلاني في هذه المسألة وخالفه العالم الفلاني والصواب في كذا .. وهو نفسه يقع في نفس ما ينهى عنه والعياذ بالله .. ألم ينظر إلى قول الجبار المتكبر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ , كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [5] ألم يتفكر في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه) [6] ألم يسمع إلى قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لا يجاوزهن حتى يعرف معانيهنَّ والعمل بهن) [7]
فاعلم أرشدك الله أن أول ما تبدأ به وتدعو الناس إليه"التوحيد"ونبذ الشرك والتنديد. فتوحيد الله في إلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته هو أصل العبادة. وهذا كتاب الله الخالد بين يديك أيها المجاهد. كتاب الله جلَّى حقيقة الألوهية أيًّما تجلية وأظهر التوحيد أيَّما إظهار. ولقد بدأ هذا الدين بالتوحيد الخالص في وجه جاهلية الشرك الشاملة وها هو الدين يعود غريبًا كما بدأ , ليواجه الجاهلية الشاملة بصورها الجديدة , عاد ليواجهها بنفس التوحيد الخالص. وها هي راية الغرباء حاضرة تنتظر الرجال. وهذا القرآن حاضر. وريح الجنة تفوح. فطوبى للمتقدمين. وطوبى للغرباء. يقول سيد قطب رحمه الله (إنه مطلوب من المسلم أن يغير وجه العالم. وأن يقيم عالمًا آخر
(1) 453 - شرح صحيح مسلم 1/ 382 - 383
(2) 454 - متفق عليه
(3) 455 - رواه مسلم
(4) 456 - تفسير القرآن العظيم 1/ 366
(5) 457 - الصف 2 - 3
(6) 458 - متفق عليه وقد سبق تخريجه
(7) 459 - انظر أصول التفسير لابن تيمية