يقر فيه سلطان الله ويبطل سلطان الطواغيت. عالمًا يُعبد فيه الله وحده - بمعنى العبادة الشامل - ولا يعبد معه أحد من العبيد. عالمًا يخرج في الناس .. من شاء الله منهم .. من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. ومطلوب منه أن يقف في وجه الباطل والظلم والفساد. وأن يغير تصورات وأوضاعًا , وقيمًا وموازين , وشرائع وقوانين , وأن يتعرض للغربة والوحشة , والأذى والابتلاء .. وهو لا يواجه هذا كله إلا إذا امتلأ كيانه كله بحقيقة الألوهية , بحيث ترجح في حسه كل شيء. وإلا إذا امتلأت نفسه"بوجود"الله سبحانه"وحضوره"في حسه وضميره وقلبه وعقله وفي كيانه وحياته كلها) [1]
ولقد وضَّح الشرع كما أسلفنا الغاية من خلق الإنسان وبأن له وظيفة ثابتة هي عبادة الله وحده وما يتبعها من إعمارٍ للكون على أساس الاستخلاف فيه وهو عبادة لله على كل حال. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [2]
ولقد عنى الإسلام بشخصية المسلم لله المؤمن بهذه العقيدة واهتم بصقل هذه الشخصية وإعدادها وتقويمها وتجهيزها للسير نحو تلك الغاية العظيمة التي خُلق من أجلها. فقسَّم هذه الشخصية ثلاثة أقسام لكل قسمٍ منها زاده وطريقته. وهذه الأقسام في مجموعها تؤدي إلى معرفة الخالق وتوحيده فالمسلم عبارة عن جسمٍ وعقلٍ وروح .. ولإعداد الجانب الجسدي للمسلم حثه الإسلام على تقوية الجسم بالرياضات والمهارات ووردت في ذلك الأحاديث والآيات. يقول الله تعالى مادحًا عباده المؤمنين {أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ} [3] وقال النبي صلى الله عليه وسلم (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كليهما خير) [4] ويقول عمر رضي الله عنه (علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل) فلله دَرُّك يا عمر!
جمعت الأهم من القوة في هذه الكلمات! فهذه الرياضات وما هو جنسها هي عناصر الغلبة والظفر اليوم وفي كل يوم .. فالمعنى من تعلم السباحة يستدعي الاطلاع وتعلم قضية السفن والأساطيل والغواصات وما يحويه سلاح البحر من تكنلوجيا .. وانظر آثارها اليوم في الحروب والانتصارات.
ومعنى الرماية اليوم وما يستدعيه من العلم يتبع ليشمل آلات الرمي وأدواته من الطلقة إلى المدفع والصاروخ.
والركوب يعني المعرفة والعلم والخبرة بقيادة وإدارة وتشغيل المركبات من السيارة والمدرعة والطائرة والمكوك. وانظر إلى قول الله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [5] فإن"من"هنا وفي هذين الموضعين من الآية بمعنى"من جنس"وإلا فالقوة في الآية تشمل القوة العسكرية والعلمية والاقتصادية والمادية والسياسية وغيرها، ولكن أساس هذه القوة هو الرمي كما بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة. ألا إنَّ القوة الرمي. ألا إنَّ القوة الرمي , ألا إنَّ القوة الرمي) [6] صدقت يا رسول الله بأبي أنت وأمي.
ولتقويم العقل عند المسلم وتقويته أوجد الإسلام مبدأ التدبر والتفكر وإعمال هذا العقل في الآيات والمخلوقات والنظريات على أساسٍ علمي سليم مضبوط بالدين ومقيد بالعقيدة يصل في النهاية إلى توحيد الخالق جلَّ وعلا وتنفيذ شرطه ووعده من خلال التأمل والتدبر والتعلم. وأما النفس فبالتزكية من خلال الذكر والاستغفار والتسبيح والشكر والقيام والصيام وما تقدم من عبادات تسمو إلى خالقها لتكون هذه الحلقة العجيبة من التكامل والتواصل مع العقل والجسد لينسجم الإنسان كله مع الكون كله في حلقة من التسبيح المتواصل
(1) 460 - مقومات التصور الإسلامي 188
(2) 461 - البقرة 30
(3) 462 - الفتح 29
(4) 463 - رواه مسلم
(5) 464 - الأنفال 60
(6) 465 - رواه مسلم