لله تعالى {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [1]
ولذلك أخا التوحيد كانت الصلاة هي عمود الدين والفارق بين المؤمنين والكافرين. لأنها تجمع في أدائها بين أقسام الشخصية الثلاثة .. ولذلك حرص الإسلام أن تكون الصلاة تامة طيبة وشدَّد على الخشوع فيها وجعلها خمس مرات في اليوم والليلة.
ففي الصلاة من الجهد الجسدي وفيها من التدبر العقلي والتركيز الذهني إلى جانب أن المسلم تكون روحه محلقة في خشوعٍ وتواصل مع بارئها مما يؤكد على ما تقدم. ولقد أنزل الله نوره إلى قلب المؤمن وعقابه من خلال الصلوات. قال تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي
اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2]
فالله ينير السماوات والأرض بنور وحيه السماوي وعقيدته الهادية ودينه المضيء الذي يهتدي بنوره ويسير في ضيائه من أراد الله له السعادة في الدارين والله مُنوِّر هذا الوجود ومجلِّيه. يبعث نوره الذي يفيضه على قلب المؤمن
ويبعثه في سويداء قلبه وسرائره فيملؤه علمًا وهدى. [3]
والسؤال المطروح. ما هو المكان النهائي لهذا النور؟ إنه {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [4] والبيوت هي المساجد. ولكن النور لا يتمثل في الجدران والأعمدة وإن كانت تتجلى به. ولكنه في قلوب رُوَّاد هذه المساجد المعلَّقة قُلوبُهم بها {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [5] فهم في تفكير دائم وإيمان راسخ وعزم ثابت على إقامة شعائر الله وحدوده وفرائضه من ذكر وتسبيحٍ وصلاة وزكاة. ثم أتبعها بخوفهم وحذرهم من الآخرة والحساب، والخوف محله قلوبهم التي امتلأت وفاضت بنور الله وقد فسر عبد الله بن مسعود معنى التقوى قريبًا من هذا المعنى الذي ذكرنا. يقول (التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله) [6]
فخوفهم هذا من الآخرة هو الذي دفعهم إلى عبادة الله على نور منه وهم يعلمون سبب السعادة في الآخرة لمن فعلها والشقاء في المقابل لمن جحدها. فهم يؤمنون بالغيب والحساب والثواب والعقاب ويدعون ربهم في الدنيا خوفًا من ناره وطمعًا في جنته. والإنسان يجب أن يتذكر الموت والحساب والعقاب في كل حين حتى يستقيم سلوكه في الدنيا لأنه يعلم أن هناك يومًا يُبعث الناس فيه ويجازون على أعمالهم {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [7] كلٌ في كتاب عند ربي {لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} [8] ومن هنا ندرك أهمية المسجد مقر الدعوة ومركز القيادة والعبادة ونقطة الانطلاق بالنور. وندرك المعنى الدقيق لقول الله تعالى اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ
(1) 466 - الإسراء 44
(2) 467 - النور 35
(3) 468 - انظر الأمثال في القرآن لمحمود بن الشريف
(4) 469 - النور 36
(5) 470 - النور 37
(6) 471 - انظر الياقوت والمرجان 16
(7) 472 - الزلزلة 7 - 8
(8) 473 - طه 52