أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [1] لتعرف حينها لماذا نقاتل كل طاغوت يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ويسعى في خرابها ويريد إغواء الناس وقهرهم وإخراجهم من هذا النور الإلهي إلى ظلمات الكفر والفساد والعصيان. فالله يخرج الذين آمنوا من هذه الظلمات ليُخرجوا بدورهم الناس كافة من تلك الظلمات القاسية. فالله جل وعز أفاض نوره على قلوب المؤمنين فهم يسيرون بنورٍ من الله ويجاهدون بنور الله. حركاتهم وسكناتهم. عباداتهم. محركها النور الإلهي المقدس. ثم يوم القيامة يسعى هداهم وأعمالهم الصالحة بين أيديهم على الصراط وقد استحالت نورًا تضيء لهم الطريق إلى الجنة {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [2] ولا عجب أن كان المسجد ونتمنى أن يكون اليوم ونبذل الجهد في سبيل أن يكون مقر كل شيء يفيض بنوره على كل مناحي الحياة. ففيه تشرع الأحكام وتقرر الحدود وتؤخذ الحقوق وتفرض الواجبات وتحل النزاعات وتعقد الاجتماعات وتؤدى العبادات وتكون المعاملات ومنه تنطلق الجيوش حاملة النور لكل الذين يتخبطون في الظلم والظلمات.
واعلم هداك الله أن التوحيد كما أنه أصل العبادات، فإن الشرك الذي هو عكس التوحيد ونقيضه هو أصل الكفر والمحبط لكل العبادات وهو أكبر الكبائر على الإطلاق {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [3] وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ قال (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) [4] وندًا: أي مثيلًا تدعوه كما تدعو الله أو تصرف له نوعًا من أنواع العبادة.
ومن هنا ندرك القيمة المثلى والأهمية العظمى للجهاد في سبيل الله خالقنا ضد الشرك وأهله بشتى أقسامهم ومسمياتهم. فليس عبثًا أن كان الجهاد ذروة سنام الدين. والسَّنام ما ارتفع ظهر الجمل وذروة سنامه أي أعلى شيء فيه وهذا يؤكد فضل الجهاد في سبيل الله. يقول الشيخ عادل نصار رحمه الله (لأن به إعلاء كلمة الله، فيظهر به الإسلام، ويعلو على سائر الأديان) [5] وهذا هو الترتيب الرباني الدقيق للعبادات. يقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيم، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [6] وإنه للخير واللهِ فهو سبحانه أعلم منا بأنفسنا ولا يختار لنا إلا الخير ولا يحب الكفر لعباده، ويكره المنكرات ولا يرضى عن السيئات. وهذه التجارة التي لن تبور لأنها معقودة مع الله وهي ضد التجارة التي تلهي الناس إلا من رحم الله عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والتفكر في يوم الحساب والاستعداد له. ومهما يكن للتجارة الملهية من ربحٍ فالربحُ مع الله أعظم {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} [7] وهذا صهيب الرومي أخو المؤمنين يبيع الحياة والمال والمتاع ليفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويربح دينه وفيه نزل قول الله {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [8] ولمّا علم النبي صلى الله عليه وسلم علَّقَ بقولته المشهورة الخالدة (ربح البيع أبا يحيى - ربح البيع أبا يحيى) [9]
(1) 474 - البقرة 257
(2) 475 - الحديد 12
(3) 476 - النساء 48
(4) 477 - متفق عليه
(5) 478 - شرح الأربعين النووية 104
(6) 479 - الصف 10 - 11
(7) 480 - التوبة 111
(8) 481 - البقرة 207
(9) 482 - أخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم