فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 253

لا أن يفرض رأيه بالعنتريات والسباب. ألم يسمع أمر نبيه بأن لا يلعن أخاه ولا يسبه ولا يبغي عليه. ألم ينظر إلى قول نبيه (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) [1] وإن كان الكفر هنا للتغليظ وهو كفر لا يخرج من الملة.

فيجب على المسلم أن يتقِ الله في المسلمين. لأن العبادة الحقيقة في التزام ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه. وأن يدفع عن عرض أخيه وألَّا يسمع الغيبة والطعن وأن ينكر على قائلها وإلا لو عجز عن الدفع أو لم يجد القبول فعليه مفارقة ذلك المجلس إن أمكنه حتى يخوضوا في حديثٍ غيره. عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من ردَّ عن عرض أخيه ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة) [2]

ولكنَّ الأدهى والأمرَّ أن بعض الدعاة اليوم ينساقون خلف المغرضين الذين مارسوا التشويه والتشهير بحق المخلصين من أبناء هذه الأمة الذين هجروا الولد والوالد والزوج والأهل وباعوا النفس والنفيس مرضاةً لله وتلبية لنداء الواجب واستكمالًا لعبادة الله خالقنا وخالقهم {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ، خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم} [3]

واعلم أخا التوحيد أنك في دعوتك للناس تسير على سنة نبيك صلى الله عليه وسلم ومنهاجه فتدعوهم إلى التوحيد ثم الصلاة فالزكاة فبقية أركان الإسلام. عن معاذٍ رضي الله عنه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فتُردُّ على فقرائهم، فإن هم طاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم. واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب) [4]

و اعلم أن قلوب الناس في تلقي الهداية والعلم مختلفة فقد جعلها الله ثلاثة أقسام كما يقول ابن تيمية رحمه الله

1 -قاسية .. وهي الجامدة اليابسة بمنزلة الحجر لا ينطبع ولا يكتب الإيمان فيه ولا يرتسم العلم فيه لأن كتابة الإيمان ورسم العلم يحتاج ويستدعي محلًا ليّنًا قابلًا.

2 -ذات مرض .. وهو القلب الذي يكون لينًًا مع ضعف وانحلال فهو عاجز لضعفه ومرضه.

3 -مؤمنة مخبتة .. وهي التي يكون الحق فيها ثابتًا لا يزول عنها لقوتها مع لينها فهي القوية اللينة. وذلك لأن القلب بمنزلة أعضاء الجسد كاليد مثلًا، فإما أن تكون جامدة يابسة لا تلتوي ولا تبطش أو تبطش بعنف، فذلك مثل القلب القاسي .. أو تكون ضعيفة مريضة عاجزة لمرضها وضعفها فذلك الذي فيه مرض .. أو تكون باطشة بقوة ولين فهو (القلب العليم الرحيم) . فبالرحمة خرج من القسوة وبالعلم خرج عن المرض، فالمرض من الشكوك والشبهات، ولهذا وصف من عدا هؤلاء العلم والإيمان والإخبات وفي قوله {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} دليل على أن العلم يدل على الإيمان. كما قال تعالى {لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} وقال تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ} [5] ونحن بإذن الله نسعى لأن تكون القلوب مؤمنة مخبتة سليمة حتى تسلم العلاقة بعد ذلك بين المرء ونفسه فلا يظلمها بالشرك أو المعاصي. وبين المرء وربه بطاعته وعبادته. وبين المرء والآخرين وفقًا للواجبات والحقوق والمقاصد ...

(1) 491 - متفق عليه

(2) 492 - رواه الترمذي وحسنه

(3) 493 - التوبة 20 - 22

(4) 494 - متفق عليه

(5) 495 - نقلًا عن كتاب الرسائل الكبرى لابن تيمية بتصرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت