ونضرب لك مثالًا على بعض الأحكام المرتبط تنفيذها بذي سلطان ودولة. فالعقوبات في الإسلام لا يقوم بها إلا الدولة الإسلامية. وغياب الدولة اليوم يعني تعطيلًا لكل هذه العقوبات واستمرارًا لهلاك الحرث والنسل والفساد في الأرض كما هو حاصل اليوم والعياذ بالله. يقول ابن تيمية رحمه الله (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور) [1]
والعقوبات الشرعية أربعة أنواع هي الحدود والجنايات والتعزير والمخالفات. وهذه العقوبات شرعها الله زواجر وجوابر، زواجر لأنها تزجر الناس وتردعهم عن ارتكاب الجرائم والموبقات. وجوابر لكي تجبر عن المسلم عذاب الله يوم القيامة. والدولة كذلك تعمل على إيجاد الوازع والرادع في المجتمع. الوازع الديني المانع من ارتكاب الجرائم. والرادع لمن ارتكب الجريمة أن يعود لمثلها وردع غيره أن يفعل فعلته.
ونحن اليوم بحاجة ماسة لإقامة هذه الفريضة العزيزة لما نرى من أحوال المسلمين التي تقشعر لها الأبدان، فالتبعية للكفار والارتداد عن الإسلام والخنوع والذلة والصغار والرضى بالإحتلال والتطبيع السافر مع العدو الكافر والهرج والنهب والسرقة والفتنة وأكل أموال الناس بغير حق والربا والبغي وما ينشره الإعلام الفاجر من بث سموم الزندقة ونشر العهر والرذيلة ومن تحسين الفجور والزنا الذي عمّ وطم ومن الدعوة على المذاهب الشركية الهدامة والإباحية والانحلال وتمييع الولاء والبراء وغيرها من الكبائر والموبقات أصبحت هي الطاغية والشعار في بلاد المسلمين بعدما غاب الوازع والرادع نتيجة لضمود الدعوة وغياب الدولة التي تحكم بما أنزل الله. ولا يقولن قائل: من قال هلك الناس فهو أهلكهم. فإننا ما قلنا ذلك تصاغرًا للناس أو عجبًا بأنفسنا وإنما توصيفًا للواقع وتحزنًا على الناس. يقول النووي رحمه الله في شرحه لحديث النبي صلى الله عليه وسلم (إذ قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم) [2] قال رحمه الله (وهذا النهي لمن قال ذلك عجبًا بنفسه، وتصاغرًا للناس وارتفاعًا عليهم فهذا هو الحرام. وأما من قاله لما يرى في الناس من نقص في أمر دينهم، وقاله تحزنًا عليهم وعلى الدين فلا بأس به، هكذا فسره العلماء وفصلوه ومن قاله من الأئمة الأعلام: مالك بن أنس والخطابي والحميدي وآخرون) [3]
وعليه فيجب السعي من خلال الدعوة الكاملة والوحدة الجامعة والنوايا الصادقة على تبصير الناس بدينهم وهدايتهم وتهيئة القلوب لحمل العقيدة والمبادئ الظاهرة. والعمل بشكلٍ متوازي على إقامة صرح الإسلام العظيم الذي يحمل القرآن أينما أتيح له أن يقوم.
وينبغي من أجل هذا أن تتظافر الجهود في كل الأقطار الإسلامية وتجتمع في بوتقة واحدة وتيار جهادي مركزي يمثل الإسلام الكلي الشامل الذي يتلقى عليه الجميع تحقيقًا لقول الله تعالى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [4] ولا ضير بعد ذلك أن يبقى لكل ذي خصوصية خصوصيته ولكل جماعة هيكلها التنظيمي الذي تطوره بما يخدم الأغراض والأهداف العامة المشتركة التي يسعى الجميع في التيار لتحقيقها.
ونحن نرى أن الغايات واحدة والهموم مشتركة وهناك الكثير الذي يمكن الالتقاء عليه. ونعترف كذلك أن بعض الجهود ربما تكون متكاملة ولكننا نريد أن نرتقي بالعمل لنصبح هيئة واحدة وكتلة موحدة تقوم بكل تلك الجهود على أساس البيئات المختلفة وأولويات العمل فيها ومتطلبات واقعها مع أن الإسلام كما أسلفنا واحد والحلول واحدة والشرع كلٌ لا يتجزأ.
واعلم أخا التوحيد أن دولة الإسلام الأولى مهَّد لها القرآن المكي خلال ثلاثة عشر سنة من نزوله فكان يتضمن بيان العقيدة والدعوة إليها وكذلك الأخلاق الحسنة والالتزام بها ونلاحظ في القرآن المكي القصص التي تخفف عن المسلمين وطأة التعذيب الذي كانوا يعانونه من الكفار وتصبرهم وتبين لهم أن نهاية المعركة ستكون بانتصار الموحدين كما هي سنة الله في الدعوات السابقة على هذه الأرض،
(1) 503 - الفتاوى 28/ 107
(2) 504 - رواه مسلم
(3) 505 - رياض الصالحين 327
(4) 506 - المائدة 2