فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 253

واعلم أن في ذلك تمهيد دقيق للدولة والتمكين وإبراز لأهمية الدعوة المتواصلة والجادَّة إلى جانب السعي للتمكين لهذه الدعوة فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أثناء دعوته في مكة يبحث عن مكانٍ آمن ويعرض نفسه على القبائل ليجد بقعة مناسبة يمكن لدين الله فيها منطلقًا منها بعد ذلك ليحرر الناس على الأرض من كل كفرٍ وطغيان.

واعلم هداك الله أن العقيدة المتينة التي غرسها الإسلام في نفوس أصحابه في مرحلة المجاهدة والتمحيص في الفترة المكية هي التي جعلتهم يعادون في الحق أقرب الناس إليهم، ويوادُّون في الله أبعد الناس عنهم فلا تساهل مع قريب أو حبيب في شيءٍ من الدين والعقيدة فهذا مصعب ابن عمير لا يبالي للقسم الذي أقسمته أمه ألا تذوق طعامًا حتى يترك الإسلام ويقول لها (والله يا أماه لو أن لك مئة نفس كلها خرجت ما تركت دين محمد) وهذه أم حبيبة زوجة رسول الله تمنع أباها المشرك _ أبا سفيان _ من الجلوس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم وتقول بغضب (إنه فراش رسول الله وإنك مشرك نجس) هذه العقيدة التي زرعها الإسلام في قلوبهم. فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق حتى لو كان الأب أو الأم والله تعالى يقول {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} [1] ويقول تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [2] وهذا الخطاب من الله تعالى للمؤمنين كافة وهو حكم باقٍ إلى يوم القيامة يدل على قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين والحض على الهجرة من بلاد الكفر حتى ولو كان الكافر هو الأب أو الأخ.

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحّد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء) [3] ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن في الدرر السنية (وقد افترض الله تعالى البراءة من الشرك والمشركين والكفر بهم وعداوتهم وبغضهم وجهادهم {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [4] فوالوهم وأعانوهم وظاهروهم واستنصروا بهم على المؤمنين وأبغضوهم وسبوهم من أجل ذلك وكل هذه الأمور تناقض الإسلام كما دلَّ عليه الكتاب والسنة في مواضع) [5]

بهذه المبادئ وهذه العقيدة الصلبة أسس الإسلام جنوده لكي يؤسسوا بدورهم صرح الإسلام الشامخ الذي يحمي تلك المبادئ. وهي المبادئ نفسها التي تأكدت بعد ذلك في دليل واضح أنها الديدن الذي جُبل على فكرة الحق التي لا تلتقي أبدًا مع الباطل .. ففي بدر الفرقان التقى الآباء بالأبناء والأخوة بالأخوة .. فرقت بينهم المبادئ ففصلت بينهم السيوف. كان أبو بكر في صف الموحدين وكان ابنه عبد الرحمن في صف المشركين. أبو عبيدة الموحد يقتل أباه المشرك ولا يبالي وفيه نزل قول الله تعالى:- {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ .... } [6] . كان عتبة بن ربيعة أول من بارز من المشركين وكان ابنه أبو حذيفة من السابقين لهذا الدين. وانظر إليه أخا التوحيد كئيبًا قد تغير لونه وجثة أبيه تُسحب لترمى في القليب والنبي صلى الله عليه وسلم يسأله (يا أبا حذيفة لعلك قد دخلك شيء من شأن أبيك) ويجيب جواب الشاكر لنعمة الهداية الواثق بنصر الله (لا والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه. ولكنني كنت أعرف من أبي رأيًا وحلمًا وفضلًاَ فكنت أرجوا أن يهديه ذلك إلى الإسلام فلما رأيت ما أصابه ذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له فأحزنني ذلك)

(1) 507 - لقمان 31

(2) 508 - التوبة 23

(3) 509 - الدرر السنية جزء الجهاد 93

(4) 510 - البقرة 59

(5) 511 - الدرر السنية _ جزء الجهاد

(6) 512 - المجادلة 22

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت