الهجرة من تلك الأرض) [1] وقد تقدم معنا حديث عبادة بن الصامت قال (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) [2]
معنى الكفر البواح في الحديث:
قال الخطابي: يريد ظاهرًا باديًا من قولهم باح بالشيء يبوح بواحًا. وبواحًا إذا أذاعه وأظهره وقال ابن حجر: عندكم من الله فيه برهان أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل. وقال النووي (المراد بالكفر هنا المعاصي ومعنى عندكم من الله فيه برهان أي تعلمونه من دين الله تعالى ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فانكروه عليهم وقولوا بالحق حيث كنتم) [3] ويؤيد ما ذهب إليه النووي من أن الكفر البواح المراد به المعصية أن هناك روايات أخرى للحديث فقد جاء في رواية (إلا أن يكون معصية لله بواحًا) وفي رواية عند أحمد (ما لم يأمرك بإثمٍ بواحًا) . قال الشيخ علي بن حاج: (والمقصود بالمعاصي التي تخرق قواعد الإسلام وتشكل منهجًا مستقلًا في الانحراف أو الدعوة على المنكر والبدع) [4] . يقول العلامة أحمد شاكر (إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام _ كائنا من كان _ في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها فليحذر امرؤ لنفسه وكل امرىء حسيب نفسه) [5] يقول الشيخ علي بن حاج:- (وخلاصة القول أن المراد بالكفر البواح الخروج عن أحكام الشريعة إما بتبديلها أو الرضا بقانون وشرع غير شرع الله فمن فعل ذلك وجب منازعته والخروج عليه لرد الأمر إلى نصابه. ولا يشترط أن يعلن هو بنفسه الكفر كما يذهب إليه الكثير خطأ ولذلك يُكفرون ثم يخرجون والحق أن الخروج يجب ولو لم يعلن الكفر صراحة) [6]
اعلم أخانا أن ما سقنا من طريقة إقامة الدولة الإسلامية اليوم وما تقدم من الحكم الشرعي في مسألة القتال لإقامة هذه الدولة وما بيّنا من جهادٍ واجبٍ للحكام المبدلين هو التأصيل الشرعي الدقيق وقد دلَّ على ما تقدم بيعة العقبة الثانية التي أقام الرسول صلى الله عليه وسلم على أساسها الدولة الإسلامية الأولى. وهنا قد يخطر سؤال وهو .. قد يكون هناك جنود مسلمون في صف الحاكم المبدّل المانع لإقامة دولة الإسلام فما الحكم الشرعي في القتال معه أو ضده؟ والجواب أنه من الواجب إشاعة العلم الشرعي بوجوب جهاد هؤلاء الطواغيت، وحرمة القتال في صفهم وعلى كل مسلم الانسحاب من تلك الجيوش وإذا أُكره على البقاء فيها فعليه أن لا يمارس أي دور يؤدي إلى إراقة دماء المسلمين من المجاهدين وغيرهم من أهل العدل ممن يقف في صف الدولة الإسلامية. وذلك لحرمة دماء المسلمين بلا سبب شرعي يبيح ذلك (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) [7] واعلم أيها المجاهد أن الحاكم المرتد ممتنعًا بطائفة تقاتل دونه يجب قتالهم وكل من يقاتل معه وهو عالم بكفره غير مكره على الخروج معه فهو كافر مثله لقوله تعالى {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [8] واعلم أن كل من نصر الكافر بالقول أو الفعل لنصرة كفره فهو كافر مثله. يقول ابن تيمية في مجموعة التوحيد وقد سئل عن المعاون لأعداء الله (حكمه حكم المباشر وبهذا قال أحمد ومالك وأبو حذيفة) . وقال رحمه الله في الإيمان (قال غير واحد من
(1) 537 - فتح الباري 13/ 123
(2) 538 - متفق عليه
(3) 539 - فتح الباري 13/ 5
(4) 540 - فصل الكلام في مواجهة ظلم الحكام 144
(5) 541 - انظر عمدة التفسير
(6) 542 - فصل الكلام في مواجهة ظلم الحكام 113
(7) 543 - رواه مسلم
(8) 544 - المائدة 51