أقول وبالله التوفيق أن أهل النصرة يجب أن يكونوا من المسلمين الذين يؤمنون بمبادئ الدعوة الإسلامية الجهادية وألا يكونوا من خارجها.
ثالثًا ... إذا سيطر المجاهدون من الأنصار والمهاجرين على الأمور في البلد الذي أتيح للدولة القيام فيه أُخذت البيعة لمن يُختار إمامًا وأُعلنت قيام الدولة الإسلامية وتغيير النظام الطاغوتي الجاهلي وإقامة النظام الإسلامي محله. ووضعت قوى الدعوة على أهبة الاستعداد للضرب الماحق لكل من تسول له نفسه أن يحارب الحكم بما أنزل الله الذي يريده الله لعباده.
واعلم أخا التوحيد أن الإسلام هو إعلان عام لتحرير الإنسان في الأرض من العبودية لهواه وللعباد وإعلان ربوبية الله للعالمين وهي بالتالي تقتضي الثورة الشاملة على حاكمية البشر بكل أشكالها وأوضاعها. وهذا لا يتم بمجرد البلاغ والبيان. وعليه فلابد من أن تكون المساعي والحركة إلى جانب البيان. ذلك أن البيان والدعوة كما تقدم تواجه العقائد والتصورات. والحركة والقوة تواجه العقبات المادية الأخرى بوسائل مكافئة وتتحرك باتجاه إقامة التمكين للدعوة والبيان وحتى يخلو للإسلام وجه الأفراد من الناس يخاطب ضمائرهم وأفكارهم بعد أن يحررها من الأغلال المادية المتمثلة في تلك الأنظمة ويترك لها بعد ذلك حرية الاختيار ... [1]
وهنا مسألة هامَّة ... فإذا سكتت سائر القوى على الوضع الجديد وأعطت ولاءها له كما حدث على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بقي كلٌ في مكانه من أصحاب المناصب على ضوء أحكام ومصلحة الدولة الإسلامية. وهذا واضح في حديث ربعي بن عامر وحذيفة بن محصن والمغيرة بن شعبة جميعًا لرستم قائد الفرس في القادسية وهو يسألهم واحدًا بعد واحد في ثلاثة أيام متوالية قبل المعركة ما الذي جاء بكم؟ فيكون الجواب (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. ومن جور الأديان إلى عدل القرآن. فأرسل رسوله بدينه إلى خلقه. فمن قبله منّا قبلنا منه ورجعنا عنه. وتركناه وأرضه. ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر)
أما إذا تمردت بعض القوى لضرب الدولة فإن نص بيعة العقبة الثانية يقرر مشروعية القتال لتأمين الحماية للوضع الجديد. ولا ريب أخانا أن قتال الحكام المرتدين وأعوانهم هو جهاد في سبيل الله. وإلا لزم الشبهة أن أبا بكر وسائر الصحابة عندما قاتلوا المرتدين لم يكونوا مجاهدين في سبيل الله. ومن الحكمة أن نبدأ في هذا الجهاد ونحسن لأنفسنا و لأمتنا فإن فساد هؤلاء المبدّلين وشرهم يزداد في كل يوم ومؤسساتهم الإجرامية تمتد جذورها في حياة الأمة مع الأيام والنتيجة زيادة فساد وابتعاد عن دين الله وإذا كان الذين يراهنون على الدعوة الإصلاحية المجردة ينقذون في يوم خمسة فإن الطواغيت يفسدون خمسين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ... قال النووي: قال القاضي عياض (أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه طرأ عليه الكفر ينعزل، قال:- وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها ... قال القاضي: فلو طرأ عليه الكفر وتغيير الشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك. فإن لم يقع ذلك إلا لطائفةٍ وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحققوا العجز لم يجب القيام فيها وليهاجر المسلم عن أرضه على غيرها ويفر بدينه) [2]
قال ابن التين (وقد أجمعوا أنه _ أي الخليفة _ إذا دعا إلى كفر أو بدعة أنه يقام عليه) قال ابن حجر تعليقًا (وملخصه أنه ينعزل بالكفر إجماعًا فيجب على كل مسلم القيام في ذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب ومن داهن فعليه الإثم ومن عجز وجبت عليه
(1) 535 - عن كتاب معالم في الطريق نقلناه بتصرف
(2) 536 - شرح النووي على مسلم 12/ 229