وضعوه كقول الله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} [1] وقوله: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [2] والأدلة من السنة كثيرة مع أن الأصل في وجود إمام أن يكون هو المرجع في تدبير أمور القتال وغيره. يقول ابن قدامة (وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك) [3] ولكن المسلمين اليوم وفي ظل غياب الخلافة والخليفة ومرور ردحًا من الزمن على غيابهما يجب ألَّا يتوقفوا عن الجهاد لأنهم لو توقفوا لفسدت الأرض ولتعطل النص الشرعي في كون الجهاد ماضيًا إلى يوم القيامة وتعطيل النص الشرعي لا يجوز. عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل) [4] وقد سئل الإمام أحمد عن رجالٍ تركوا الجهاد لفجور الأمير قال: (سبحان الله هؤلاء قوم سوء، هؤلاء القعدة مثبطون جُهَّال فيقال: أرأيتم لو أن الناس كلهم قعدوا كما قعدتم من كان يغزو؟ أليس كان قد ذهب الإسلام؟ ما كانت تصنع الروم .. قال ابن قدامة تعليقًا على الحديث المتقدم(ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطع الجهاد وظهور الكفار على المسلمين واستئصالهم وظهور كلمة الكفر وفيه فسادٌ عظيم قال تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} ) [5] قال ابن تيمية (فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان) [6] واعلم أن القعود عن مجاهدة الكفار في هذا الزمان دليلٌ على فساد الباطن وسوء النيّة ومن صفات المنافقين القعود عن الجهاد وتنفير الناس من المجاهدين قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [7] قال ابن كثير في تفسيره (ينهى الله عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذي ماتوا في الأسفار والحروب لو تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم) [8] .
نختم حديثنا عن الدولة الإسلامية بطريقة إقامتها اليوم بعدما زالت من الوجود والشهود ومضى على زوالها ردحٌ من الزمان. والطريقة التي نراها في مقتضى فهمنا للطريقة نفسها التي اتّبعها النبي صلى الله عليه وسلم من أجل إقامة الدولة الأولى ويتحقق ذلك بعدة أمور ...
أولًا ... دراسة أحوال العالم الإسلامي والتركيز على البلد الأكثر ملائمة للانطلاق تركيزًا دعويًا يشمل الأفكار والأنظمة المختلفة القادة على إيجاد أنصار يؤمنون بالدعوة ومنهجها مع الجاهزية المادية والعسكرية والأمنية الكاملة لهؤلاء الأنصار واستعدادهم الجدي والتام لنصرة الدعوة والتضحية في سبيلها.
ثانيًا ... إذا ما وُجِدَ للدعوة أنصارٌ مجهزُّون في هذا البلد الذي توفرت فيه مقومات الدولة البشرية والطبيعية وشروطها وإمكانياتها اللازمة لاستمرارها _ كما كان عليه وضع المدينة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بالنسبة بظروف ذلك الزمان _ فعندها يباشر المجاهدون من الأنصار وغيرهم في السيطرة على الأمور وتسليم السلطة لمن تؤخذ له البيعة باعتباره رئيسًا للدولة الإسلامية والشرط في القوة الجهادية التي تشكلها الدعوة قدرتها كما أسلفنا على سحق أي تمرد على الوضع الجديد من الداخل والتصدِّي لأي قوة خارجية محتملة تحاول ضرب هذا الوضع الجديد.
(1) 527 - البقرة 216
(2) 528 - البقرة 190
(3) 529 - المغني 10/ 373
(4) 530 - أبو داوود وفي جامع الأصول 1/ 242
(5) 531 - المغني _ كتاب الجهاد
(6) 532 - الفتاوى 4/ 608
(7) 533 - آل عمران 106
(8) 534 - تفسير ابن كثير 1/ 428