قلت: لأن المشرك عندما يسلم لا تؤمن عليه فتنة من حوله من المشركين بأيديهم وألسنتهم وحتى لا يعود في الكفر وجب نقله إلى مجتمع مسلم يستمسك فيه بإسلامه ويزيد فيه إيمانه ويساهم في بنائه والله تعالى أعلم ...
وعن عبد الله السعدي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو) [1] .
وهذا الحديث يدل على ثبوت حكم الهجرة وأنه باقٍ إلى يوم القيامة لأن قتال العدو مستمر إلى يوم القيامة وهو ما دل عليه حديث معاوية لأن طلوع الشمس من مغربها يكون بعد انتهاء الجهاد والقتال وبين يدي الساعة.
وقال قوم: قد انقطعت الهجرة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية) [2]
والمراد من الحديث نفي الهجرة عن مكة كما دل عليه قوله"بعد الفتح"فإن الهجرة كانت واجبة من مكة قبله ولكنها فتحت وصارت من البلاد المفتوحة التي يهاجر إليها وكذلك كل بلد يفتح فإن الهجرة تتم إليه.
جاء في المغني (الهجرة: الخروج من بلد الكفار فإذا فتح لم يبق بلد الكفار فلا تبقي منه هجرة وهكذا كل بلد فتح لا يبقي منه هجرة وإنما الهجرة إليه) [3] .
قال ابن العربي (الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام وكانت فرضًا على عهد رسول الله واستمرت بعده لمن خاف على نفسه والتى انقطعت بالأصالة هي القصد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان) [4] .
وقد جاء في المغني أن الناس في الهجرة ثلاثة أقسام:-
1 -من تجب عليه الهجرة: وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه والقيام بواجباته وهو مقيم بين الكفار وقد قال تعالى ?إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا ?] النساء-97[. والوعيد الشديد في الآية يدل على الوجوب لأن القيام بالدين واجب والهجرة من ضرورة الواجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
2 -من لا هجرة عليه: وهو من يعجز عنها لمرضٍ أو إكراهٍ على الإقامة أو ضعف من النساء والولدان وشبههم لقوله تعالى ?إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ?]النساء-98 [. ولا توصف باستحباب لأنها غير مقدور عليها.
3 -من تستحب له ولا تجب عليه: وهو من يقدر عليها لكنه يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر فتستحب له ليتمكن من جهادهم ومعاونة المسلمين عليهم ويتخلص من مخالطة الكفار ورؤية المنكر بينهم. ولا تجب
(1) رواه النسائي وصححه ابن حبان كما في سبل السلام 4/ 83.
(2) متفق عليه.
(3) المغني 9/ 236.
(4) سبل السلام 4/ 80.