فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 253

وكذلك خروج قُزْمان مع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد وهو مشرك لا يعارض قوله"لا أستعين بمشرك".

يقول الشوكاني رحمه الله (وأما مقاتلة قزمان مع المسلمين قلم يثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - أذن له بذلك في ابتداء الأمر وغاية ما فيه أنه يجوز للإمام السكوت عن كافرٍ قاتل مع المسلمين) [1] .

واستدلوا بالحديث المذكور في البخاري عن أبي هريرة قال: شهدنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لرجل ممَّن يدَّعي الإسلام (هذا من أهل النار - الحديث) وفيه أن الرجل أصابته جراح شديدة فلم يصبر عليها وقتل نفسه فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالًا أن ينادي في الناس (إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) [2] .

هذا الحديث لا يعارض قوله"لا أستعين بمشرك"لأن الرجل في الحديث كان"ممن يدَّعي الإسلام"فظاهره أنه مسلم غير مشرك وإن كان فاجرًا بالمعاصي الغير مكفرة والموجبة للنار ومنها الانتحار.

ومن أجل إظهاره للإسلام استعان به النبي - صلى الله عليه وسلم - كما استعان بابن أبي وغيره من المنفقين لإظهارهم الإسلام والعبرة عندنا بالظاهر وأمر السرائر موكول إلى الله عز وجل.

وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر لأبي هريرة نفسه (الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برًا كان أو فاجرًا) [3] .

ولأن الأمير الفاجر يبقي مسلمًا والإمارة لا تنعقد لكافر وإن طرأ عليه الكفر عُزِل بإجماع الفقهاء. وهذا الأمير فجوره على نفسه ما لم يكن بدعة يجاهر بها ويدعوا إليها.

ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يؤدي إلى توقف الجهاد وغلبة الكفار على المسلمين وفيه فساد عظيم والله تعالى يقول {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} ] البقرة-251 [.

وتحتج بعض الجماعات اليوم في قتالها مع المشركين ضد مشركين بأقوال بعض العلماء ممّن أجازوا الاستعانة بالمشركين وهذه الجماعات أخطأت من وجوه.

أحدها: ضعف جزء من الأحاديث وعدم معارضة الأحاديث الأخرى للمنع وقد بينّا هذا الوجه بيانًا شافيًا والحمد لله.

الثاني: اختلاف الحال فأولئك الذين وردت حولهم الأحاديث مشركون أصليون ومعظم المستعان بهم اليوم مسلمون ارتدوا والعياذ بالله وسنبين هذه المسألة في الصفحات اللاحقة.

الثالث: مناقضة حالهم لكلام علمائهم نفسه على اعتبار أن استعانتهم بمشركين وليس بمرتدين .. وإليك البيان ..

فقد نص بعض أهل العلم ممن أجازوا الاستعانة بالمشركين كالهادوية وأبي حنيفة على قيود لم تراعها هذه الجماعات التي تحتج بأقوالهم .. ومن هذه القيود:-

(1) نيل الأوطار للشوكاني 7/ 237.

(2) متفق عليه واللفظ للبخاري.

(3) سنن أبي داوود 3/ 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت