جاء في المنهاج وشرحه (وإلا بأن دعت الضرورة إلى رميهم - أي رمي الكفار بالأسلحة - بأن تترسوا بهم حال التحام القتال بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا وكثرت نكابتهم - جاز رميهم حينئذٍ في الأصح ونقصد بذلك قتال المشركين ونتوقى المسلمين وأهل الذمة بحسب الإمكان لأن مفسدة الإعراض - أي الكف عن القتال - أعظم من مفسدة الإقدام ويحتمل هلاك طائفة للدفع عن بيضة الإسلام ومراعاة الأمور الكلية) [1] .
قال القرطبي (وقد يجوز الترس ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله. وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية. فمعنى كونها ضرورية: أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس. ومعنى أنها كلية قطعية أنها قاطعة لكل الأمة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين. ومعنى كونها قطعية: أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعًا. قال علماؤنا: وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها) [2] .
أما في حالة عدم الضرورة الداعية للقتال فيحرم القتال عندها لأنه سيؤدي حتمًا إلى ضرب الترس المحرم ومفسدة قتل المسلم من هذا الترس فوق مصلحة قتل الكافر المختبيء وراء الترس عملًا بالقاعدة الشرعية القائلة بأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح [3] .
ومعلوم أن قتالنا للعدو في هذه الحالة لا ضرورة له بل هو ارتكاب لمحظور وهو قتل الترس من المسلمين من أجل التوصل إلى المباح وهو قتل العدو أو قتاله بعد إسقاط الترس الذي احتمى به. ومن المقرر أن ارتكاب محظور من أجل التوصل إلى مباح - هو أمر لا يجوز شرعًا [4] .
وقد جاء في المغني (وإن تترسوا بمسلم ولم تدع الحاجة إلى رميهم لكون الحرب غير قائمة أو لإمكان القدرة عليهم بدونه أو للأمن من شرهم - لم يجز رميهم فإن رماهم فأصاب مسلمًا فعليه ضمانه) [5] .
التُّرس من أهل الحرب ممن يحرم قتلهم
لا خلاف بين الفقهاء في جواز القتال في هذه الحالة مع تحاشي ضرب هذا الترس ما أمكن. فإن دعت الضرورة لضربه كان ذلك بحكم الاضطرار وأن يكون الباعث القلبي على الضرب هو إرادة القضاء على العدو لا القضاء على هؤلاء النساء والأطفال [6] .
وفي مغني المحتاج (لو التُحم في حرب فتترسوا بنساء وصبيان - جاز رميهم إذا دعت الضرورة إليه، ونتوقى من ذُكر لئلا يتخذوا ذلك ذريعة إلى منع الجهاد وطريقًا إلى الظفر بالمسلمين) [7] .
(1) مغني المحتاج 4/ 224، وانظر الجهاد والقتال 2/ 1332.
(2) الجامع لأحكام القرآن 16/ 287.
(3) الجهاد والقتال 2/ 1337.
(4) الجامع لأحكام القرآن 16/ 287.
(5) المغني 9/ 231.
(6) الجهاد والقتال 2/ 1334.
(7) مغني المحتاج 4/ 224.