ولذلك شدد العلماء في شروط المفتي ولقد روي عن الإمام أنه قال:-(لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال ...
1 -أن تكون له نية فإن لم تكن لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور.
2 -أن يكون على علمٍ وحلمٍ ووقارٍ وسكينة.
3 -أن يكون قويًا على ما هو فيه وعلى معرفته.
4 -الكفاية وإلا مضغه الناس.
5 -معرفة الناس) اهـ. من كلام الإمام أحمد رحمه الله.
وإذا كان المفتي له قدر من الاجتهاد يستطيع أن يميز بين الأدلة ويتخير من المذاهب في فتواه فعليه أن يقيد نفسه في التخير بثلاثة أمور ...
الأول .. ألا يختار قولًا متهافتًا في دليله بحيث لو اطّلع صاحبه على أدلة غيره لعدل عنه.
الثاني .. أن يكون في فتواه صلاح الناس ويسير معهم في طريق وسط دون شدة وإفراط ولا تفريط وانحلال.
الثالث .. أن يكون حسن القصد في اختيار ما يختار فلا يكون اختياره لإرضاء حاكم أو لهوى الناس ويتجاهل غضب الله ورضاه .. فلا يكون كأولئك المفتين الذين يتعرفون هوى الحاكم قبل أن يفتوا فهم يفتون لأجل الحاكم لا لأجل الحق .. وأولئك قوم بور ..
ولقد رأينا بعض المفتين يتتبع مواضع التساهل بالنسبة للحكام ولنفسه ويختار لغيره آراء مذهبه الذي يفتي به ولو بلغ حد الشدة.
واعلم أخانا أن العلماء قد أجمعوا على وجوب التزام المفتي وأخذه بما يفتي به فإذا كان يترخص لنفسه في أمور ولا يبيحها للناس فإن ذلك يفقده العدالة والأهلية للفُتيا.
ويجب على المفتي كذلك أن يتأنى ولا يتسرع وأن يتفكر ويتدبر في الأمر قبل الفتوى وفي نتائج الفتوى وفي حال المستفتي. ولا عيب عليه في هذا التأني ما لم يكن متثبتًا من الحق أو لا يحتاج إلى التأجيل والتسويف. [1]
واعلم أخا التوحيد هداك الله أنه يلزم المفتي أن يكون عالمًا بالواقع مدركًا له وإلّا كان الخطأ لصيق فتياه. قال ابن القيم رحمه الله:(ولا يتمكن المفتي ولا حاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:-
أحدهما .. فهم الواقع فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات، حتى يحيط به علمًا.
والنوع الثاني .. فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر) [2]
نختم الحديث عن المنهاج بما نقله شيخنا المجاهد عمر أحمد عبد الرحمن من كلام الشهيد سيد قطب من الظلال يقول سيد رحمه الله (إن شريعة الله تمثل منهجًا شاملًا ومتكاملًا للحياة البشرية يتناول بالتنظيم والتوجيه والتطوير كل جوانب الحياة الإنسانية في جميع حالاتها في كل صورها وأشكالها ... وهو منهج قائم على العلم المطلق بحقيقة الكائن الإنساني والحاجات الإنسانية وبحقيقة الكون الذي يعيش فيه الإنسان وبطبيعة النواميس التي تحكمه وتحكم الكينونة الإنسانية .. ومن ثم لا يفرط في شيء من أمور هذه الحياة، ولا يقع فيه ولا ينشأ عنه أي تصادم مدّمر بين أنواع النشاط الإنساني ولا أي تصادم مدمر بين هذا النشاط والنواميس الكونية إنما يقع التوازن والاعتدال والتوافق والتناسق .. الأمر الذي لا يتوافر أبدًا لمنهج من صنع الإنسان الذي لا يعلم إلا ظاهرًا من الأمر، وإلا الجانب المكشوف في فترة زمنية معينة، ولا يسلم بمنهجٍ يبتدعه من آثار الجهل الإنساني، ولا يخلو من التصادم المدمر بين بعض ألوان النشاط وبعض الهزات
(1) 86 - ما كتبته في موضوع اجتهاد الرأي"الإفتاء"نقلته بتصرف عن كتاب"أصول الفقه"للشيخ محمد أبو زهرة
(2) 87 - أعلام الموقعين 1/ 87 - 88