كذلك «أمر» بالمعروف. وهناك «نهي» عن المنكر. وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان، فإن «الأمر والنهي» لا يقوم بهما إلا ذو سلطان .. هذا هو تصور الإسلام للمسألة، أنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى، سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر .. ) [1]
وعليه فينبغي العمل الحثيث من أجل إقامة هذا السلطان وبذلك يسقط عنك إثم التخلف عن إزالة المنكر بمجرد السعي لإقامة التمكين لدين الله في الأرض وقد ذكرنا أن بعض ما يتغير باليد والقوة قد يعجز عنه الفرد فتقوم به الجماعة وقد لا يقدر عليه المحكوم فيقوم به الحاكم وقد لا يندفع إلا بالتمكين في الأرض. فأسرعوا أيها الموحدون لمرضاة ربٍ ونصرة دين.
واعلم أيها المجاهد أن الأمر والنهي ينبغي أن يكون ديدنك وشعارك في هذه الحياة، ومن المعلوم أن إنكار المنكر بالقلب هو أساس الإنكار وأن ما يكون من إنكارٍ بالقول أو اليد إنما يكون مسبوقًا بإنكارٍ بالقلب لأن المنكر يتعارض تلقائيًا مع الفطرة السليمة العالمة .. وعليه فلا بد أن يكون الإنكار بالقلب قاعدة عند كل مسلم ومن لم يفعل فليس بمؤمنٍ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام .. لأن الإنكار بالقلب لا ضرر فيه وفي فعله وهو واجب في كل حال وقد قيل لابن مسعود رضي الله عنه: من ميِّتُ الأحياء؟ قال (الذي لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا) أي بقلبه. وهذا هو المفتون الموصوف في حديث حذيفة بن اليمان. فمن لم يقم به فليس بمؤمنٍ وآثم قلبه. وهذه المصيبة العظمى التي وقع فيها الناس في هذا الزمان من استمراء المنكرات التي عكف عليها المفسدون وعملوا على نشرها حتى أصبحت عندهم أشياء طبيعية وما خالفها فهو الغريب والشاذ ولم تنكر حتى بالقلوب والعياذ بالله. وعلى كل حال فتغيير المنكر وإنكاره بالقلب واجب على كل مسلم في كل حين.
واعلم أن لكل عمل شروط تقيده حتى لا يخرج عن نطاقه الصحيح وهدفه المنشود، وكذلك إزالة المنكر فإن لها شروط لا بد منها مبنية على قاعدة تحقق المصلحة الشرعية التي من أجلها شرع الأمر والنهي .. إذْ لا بد من تحقق الإنكار بشروطه حتى لا يجلب المفسدة الكبرى وتفوت معه المصلحة الفضلى. والشروط هي ...
1 -كونه منكرًا .. والمنكر أعم من المعصية فلا يختص النهي بالكبائر بل ينهى حتى عن الصغائر إن أمكن.
2 -أن يكون موجودًا في الحال فلا يجوز الإساءة للمسلم بالظن.
3 -أن يكون ظاهرًا دون تجسس عليه إذ نهى الشارع عن تتبع زلات المسلمين. والتجسس معصية أشد.
4 -أن يكون المنكر معلومًا بغير اجتهاد، فلا إنكار على من عمل عملًا باجتهاد يعتقد أنه الصواب ولا تنكر الآراء المختلف فيها بحجة شرعية.
5 -أن يعلم صاحب المنكر ابتداءً أن هذا منكر. فلا يُنهى من كان كافرًا إذ لا بد من دعوته للإيمان أولًا. فالكفر أكبر من كل منكر.
6 -أن يتم وفق مراتبه. فيكون البدء بالنهي"بالوعظ والنصح والتخويف"ثم"التعنيف بالقول الغليظ"ثم"زيادة الإنكار حسب القدرة والإمكان"حتى الوصول إلى التغيير باليد بشروطه المذكورة سابقًا [2] .
ولقد ذكر العلماء شروطًا عامة ينبغي توفرها في الناهي عن المنكر هي النية، والورع أي القدوة، والاستطاعة وذكروا كذلك شروطًا خاصة ثلاثة هي العلم والرفق والصبر .. يقول ابن تيمية رحمه الله عن الشروط الخاصة (فلا بد من هذه الثلاثة .. العلم والرفق والصبر، العلم قبل الأمر والنهي والرفق معه والصبر بعده، وإن كان كل من هذه الثلاثة لا بد أن يكون مستصحبًا في هذه الأحوال، وهذا كما جاء في الأثر من بعض السلف .. لا يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر إلاَّ من كان فقيهًا فيما يأمر به، فقيهًا فيما ينهي عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهي عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهي عنه) [3] .
(1) 299 - في ظلال القرآن 1/ 444
(2) 200 - الجهاد والقتال في السياسة الشرعية وانظر الياقوت والمرجان في عقيدة أهل الإيمان
(3) 201 - الفتاوى 28/ 137