واعلم أخانا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين وإذا لم يقم به أحدٍ أثم الجميع ولكنه مع هذا يسير في دائرة متكاملة تشمل المجتمع كله فكل فرد من الأمة مكلف بالأمر والنهي فيما يقدر عليه ويترك ما هو خارج عن استطاعته فما عجز عنه هو لم يطالب به ولكنه في الوقت نفسه يحث القادر على الأمر والنهي في المجال الذي عجز عنه وأمكن للقادر أن يؤديه فيه.
وبهذا يتضح أن الدعوة إلى الله بما فيها من أمر ونهي واجبة على كل مسلم مهما كان مركزه حاكمًا أو محكومًا، عالمًا أو متعلمًا، بل كل جماعة مسلمة مهما يكن وضعها من التمكن أن يقوم كل فرد فيها بأداء الأمر والنهي حسب استطاعته وأن يحث الآخرين القادرين على سد العجز في المكان الذي لم يستطع هو الأمر والنهي فيه.
وعلينا أن نبدأ بأنفسنا وبأسرنا من زوجات وأولاد وإخوان وأخوات حتى ننتهي بالمجتمعات والشعوب بإذن الله. وحتى ندخل في عداد المؤمنين الموصوفين من الله بأنهم {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ} [1] .
واعلم رعاك الله أن الأمر والنهي هما عين الدعوة لأن الدعوة نفسها أمر بمعروف أو نهي عن منكر. يقول ابن تيمية رحمه الله (وقد تبين أن الدعوة نفسها أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر، فإن الداعي طالبٌ مستدعٍ ومقتضٍ لما دعي إليه وذلك هو الأمر به إذ الأمر هو طلب الفعل المأمور به واستدعاء له ودعاء إليه، فالدعاء إلى الله الدعاء إلى سبيله، فهو أمر بسبيله، وسبيله تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر به) [2] .
واعلم أن الأمر والنهي من الصفات المميزة لأتباع المرسلين وورثة النبيين، فأبشر أخا التوحيد أبشر فأنت بإذن الله ممن (يخلفونهم على منهاجهم وطريقتهم من نصيحتهم للأمة وإرشادهم الضال وتعليمهم الجاهل ونصرهم المظلوم وأخذهم على يد الظالم، وأمرهم بالمعروف وفعله ونهيهم عن المنكر وتركه، والدعوة إلى الله بالحكمة للمستجيبين والموعظة الحسنة للمعرضين الغافلين، والجدال بالتي هي أحسن للمعاندين المعارضين فهذه حال أتباع المسلمين وورثة النبيين) [3] .
وأعلم هداك الله أن النبي عليه الصلاة والسلام قام بالدعوة إلى الله أيّما قيام فأمر الخلق بكل معروف من أمر الله ونهاهم من كل منكرٍ من نهي الله فكانت الدعوة بذلك واجبًا تلزم المستطيع إياها. وفي هذا المعنى يقول ابن تيمية (لا تتم الدعوة إلى الله إلا بالدعوة إلى أن يفعل ما أحبه الله ويترك ما أبغضه الله سواء كان من الأقوال أو الأعمال الباطنة أو الظاهرة، إذا تبين ذلك فالدعوة إلى الله واجبة على كل من اتبعه وهم أمته يدعون إلى الله كما دعا إلى الله) [4]
وأعلم أن أنواعًا من الأمر وأنواعًا من النهي لا تقام إلا بواسطة سلطة تملك الأمر والنهي كالجهاد لإعلاء كلمة الله وهو رأس الأمر والنهي أو تحكيم شرع الله في جميع المجالات ولذلك ينبغي على المسلم أن يتعاون مع جماعة مسلمة ربانية للقيام بهذا الواجب العظيم _واجب إقامة السلطة المسلمة _ لأن الذي لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وكل الواجبات لا تتم إلا بتمام هذا الواجب العظيم. والله تعالى يقول {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [5] . يقول سيد قطب رحمه الله (فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته. فهناك «دعوة» إلى الخير. ولكن هناك
(1) 194 - التوبة 112
(2) 195 - الفتاوى 15/ 166
(3) 196 - مفتاح دار السعادة 1/ 157
(4) 197 - الفتاوى 15/ 161
(5) 198 - آل عمران 104