وبعدًا عن الله القائل {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [1] يقول سيد قطب رحمه الله (ونحن لا ندعو الناس إلى الإسلام لننال منهم أجرًا. ولا نريد علوًا في الأرض ولا فسادًا. ولا نريد شيئًا خاصًا لأنفسنا إطلاقًا، وحسابنا وأجرنا ليس على الناس. إنما نحن ندعو الناس إلى الإسلام لأننا نريد لهم الخير .. مهما آذونا. لأن هذه هي طبيعة الداعية إلى الله، وهذه هي دوافعه. ومن ثم يجب أن يعلموا منا حقيقة الإسلام وحقيقة التكاليف التي سيطلبها إليهم. في مقابل الخير العميق الذي يحمله لهم. كما يجب أن يعرفوا رأينا في حقيقة ما هم عليه من الجاهلية) [2] ولقد كان بعض السلف يقول:- (كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة وهو لا يعرفه. فيقول له: مالك إليَّ وما بيني وبينك معرفة؟ فيقول: كنت تراني على الخطأ وعلى المنكر ولا تنهاني) أهـ.
وبعدُ أيها المجاهد .. فاصدع بما تؤمر .. وبالتوحيد فاجهر .. واعلم أنك لن تقوى على التبليغ إلا بعبادة الله حق عبادته .. ولن تحتمل أعباء الدعوة العظيمة إلا بالزاد المعين من تلاوة القرآن وقيام الليل وخير الزاد التقوى وقد قال الله سبحانه {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [3] ثم أخبره أن هذه الأوامر منه سبحانه تمهيدًا للتكليف العظيم حيث قال {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [4] فقام صلى الله عليه وسلم مع أصحابه حتى تفطرت أقدامهم إلى أن أنزل الله التخفيف في آخر الآيات ...
ولن يقوى على مشاقّ الدعوة وعقباتها إلا من تدبر كلام الله وأخلص العبادة لله وأطال الذكر والتسبيح. وبهذا الزاد فقط لا بغيره نواصل طريقنا الصحيح المستقيم ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة الباقية .. فهم ...
{يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [5]
وكانوا {قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [6] و {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [7]
وإنهم {تتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [8]
وحالهم أنهم يخافون من ربهم {يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [9]
وغير ذلك من الصفات التي لا يصلح لهذه الدعوة إلا من اتصف بها. جعلنا الله وإياك منهم. فتنبه!
سبحان ربك رب العزة عما يصفون ...
وسلام على المرسلين ...
والحمد لله رب العالمين ...
(1) 248 - الكهف 29
(2) 249 - معالم في الطريق: فصل نقلة بعيدة
(3) 250 - المزمل 1 - 4
(4) 251 - المزمل 5
(5) 252 - الكهف 28
(6) 253 - الذاريات 17
(7) 254 - الذاريات 18
(8) 255 - السجدة 16
(9) 256 - الانسان"جزء من الآية 10"