فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 253

انضمام رضا الجماعة باختياره. والصحيح أيضًا أن طريقة الاستخلاف هي مجرد ترشيح من الإمام السابق لمن يَعْهَدُ إليه ولا ينال المستخلف صلاحياته إلا بعد المبايعة ولو لم تبايعه الجماعة لا يصح أن يكون إمامًا بمجرد الاستخلاف [1] .

واعلم أن الطاعة كما أنها واجبة للإمام فإنها واجبة لمن يعيّنهم الإمام من القادة والأمراء نيابة عنه في حدود الصلاحيات المسندة لهم .. جاء في بدائع الصنائع (وإذا أمِّر عليهم يكلفهم طاعة الأمير فيما يأمرهم به، وينهاهم عنه .. لأنه نائب الإمام وطاعة الإمام لازمة، كذا طاعته .. لأنها طاعة الإمام) [2] وهنا قضية مهمة تتعلق بالدعوة وخاصة الجانب العسكري منها .. فلو تعذر وجود القائد أو الأمير المعين من الإمام على منطقةٍ ما أو معسكر أو أي قطعة من الجهاز أو حتى عن مجموعة خرجت لعملٍ جهادي ما نتيجة لإستشهاد أو عذر قاهر يعرفه أهل الأمر على الجبهات فيجب على هذه المنطقة أو المجموعة أن تختار من بينها قائدًا يقودها ويدبِّر أمورها وتجب طاعته كما لو كان وصيًِّا من الإمام .. جاء في المغني لابن قدامة (إن بعث الإمام جيشًا وأمَّر عليهم أميرًا فقُتل أو مات، فل للجيش أن يؤمروا أحدهم .. كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في جيش مؤتة لما قُتل أمرائهم الذين أمَّرهم النبي صلى الله عليه وسلم .. أمَّروا خالد بن الوليد فبلع النبي صلى الله عليه وسلم فرضي أمرهم، وصوَّب رأيهم وسمَّى خالدًا يومئذٍ سيف الله) [3] وانتبه أخا التوحيد لقضية هامة أخرى وهي إذا أصدر الإمام قرارًا بعزل أحد القادة أو الأمراء فإن المعزول يصبح مجردًا من أي سلطةٍ كان يملكها على من كان تحت إمرته فلا يجوز لأحدٍ من الذين كانوا يخضعون لسلطة هذا القائد المعزول أن يستمروا على طاعته إذا ما سوَّل له الشيطان التمرد على قيادته الشرعية [4] .

واعلم هداك الله أن الأمراء لا ينبغي لهم أن يضعوا نصوص الطاعة في نطاقها الغير صحيح بل يجب عليهم الإلتزام بالشريعة والعدل في الجماعة وأن يكونوا نعم القدوة والقادة للناس جميعًا على أساس الدين والخلق ...

على أن الجماعة يجب أن تقوم على الأتقياء الأنقياء الملتزمين بشرع الله وأن تقوم على أساس أجهزة وقنوات لا يستبد مع وجودها شخص بالأمر. ويجب على قيادة الجماعة أن لا تستبد بإسم الطاعة فتعين ابتداءً أمراء مكروهين من المجاهدين لإنحرافات في سلوكهم الشخصي أو عدم أهلية للمكانة التى هو فيها أيًا كانت تلك المكانة أو أنه من النوع الذي يحمل مرؤوسيه الذين هم تحت مسؤليته على المكاره والمشقة بذريعة أنها في حدود المشروع من التكاليف .. بل يجب أن يُؤمَّر العارف بالحلال والحرام العَدْل العالم بوجوه السياسات المختلفة .. وأن يَتق الله تعالى في خاصَّة نفسه وبمن حوله من المؤمنين خيرًا ورحمةً ورأفةً .. فاللين والأخَّوة الصادقة والإنسجام والإقتناع هي التي تجعل المرء تلقائيًا يسمع ويطيع ويهب نفسه للدعوة وهي التي تجعل المجاهدين يضربون أروع الأمثلة في الثبات والرسوخ في ساعات الشدة والضيق. وليعلم الأمير أن الحاكم والمحكوم سواسية في ميزان الشرع يتم التفاضل بينهما على أساس التقوى فأكرم الخلق عند الله أتقاهم .. والبشر عندنا كلهم يخطئوا ويصيبوا إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم ولذلك فالحاكم والأمير كما باقي البشر يخطىء في كثير من الأحيان وهو بحاجة إلى تفهم النقد والنصح والأخذ به .. ورحم الله أبا بكر عندما قال في خطبته يوم تولِّيه الخلاقة: (أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي ندي حتى أريح عليه حقه، إن شاء الله. والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخد الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلاَّ ضربهم الله بالذل. ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء؛ أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم؛ قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله) [5] ...

(1) 280 - انظر الدولة ونظام الحسبة عند ابن تيمية لمحمد المبارك

(2) 281 - بدائع الصنائع 7/ 99

(3) 282 - المغني 10/ 374

(4) 283 - الجهاد والقتال في السياسة الشرعية وقد نقلنا عنه بعض ما تقدم بتصرف

(5) 284 - انظر البداية والنهاية لابن كثير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت