عن الفحشاء والمنكر وقد قال ابن عباس وابن مسعود والحسن: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا) .. ) [1] . انتهي بتصرف يسير.
واعلم أخا التوحيد أن الأحاديث الواردة في الحث على السمع والطاعة في الأحوال المتقدمة هي في الأساس من أجل اجتماع كلمة المسلمين لأن الاختلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم والله تعالى يقول: {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [2]
واعلم كذلك أن الأصل في أمير الدعوة أن يكون أكثر الجماعة طاعة لله والتزامًا بالإسلام سواء في سلوكه الشخصي أو في تدبير الأمور الداخلية والخارجية التي تقوم الجماعة على أساسها والمعاصي تؤدي إلى كراهية الدعاة لأميرهم وكراهيته لهم كذلك مما يؤدي للتلاعن والتباغض بين الطرفين كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. ويجب على المجاهدين أن يعرفوا حدود الإسلام وأركانه وعقيدته حتى لا يطيعوا طاعة عمياء ويعصون الله وهم لا يدرون، فلقد هم المسلمون أن يدخلوا النار التي أوقدها أميرهم ولكنهم تراجعوا عن ذلك وتنازعوا أمرهم بينهم. فآية النساء المتقدمة نزلت في عبد الله بن حذيفة إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية فأمرهم عبد الله أن يوقدوا نارًا وأن يلقوا بأنفسهم فيها فتنازعوا في امتثال ما أمرهم به. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم شدد على المسألة بقوله (لو دخلتموها ما خرجتم منها. إنما الطاعة في المعروف) [3] وفي رواية (لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا. إنما الطاعة في المعروف) [4] .
واعلم أنه إذا وُجد من الأمراء من يخالف ويرتكب المعاصي فيجب تقديم النصح له فإن لم يستجب يُعمل على تبديله حتى تبقى الدعوة سليمة لامعة لا يعكرها شيء من تلك المعاصي والانحرافات. واعلم أخانا أن الطاعة المذمومة نوعان. نوع مكفر يخرج صاحبه من الملة ونوع دون ذلك لا يخرج صاحبه من الملة.
1 -الطاعة المكفرة ... وهي الطاعة التى تتضمن التأليه للمخلوق. كأن ينظر أحدهم لمخلوقٍ - أيًا تكن صفته ونوعه - أن له حق الطاعة على العباد لذاته ومكانته وأنه صاحب الأمر والنهي بغض النظر عن موافقته للحق في أمره ونهيه أم لا. وكذلك من الطاعة المكفرة طاعة الكفار والمشركين فيما هو كفر وشرك. مثل أن يأمروه بموالاتهم على المسلمين أو بتحليل ما حرمه الله وغيرها من الأمور المكفرة. فصاحب هذه الطاعة يكفر لوقوعه في الكفر والشرك وليس لمجرد الطاعة. إلا إذا اعتقد في المطاع أن له حق الطاعة لذاته فهذا كفر لمجرد الطاعة.
2 -الطاعة غير المكفرة ... وهي لا تخرج صاحبها من الملة وإنما تكون دون ما تقدم وتوقع صاحبها في دائرة الفسوق والعصيان. كالطاعة فيما يعتبر من المعاصي والذنوب التي هي دون الكفر. ما لم يتبع هذه الطاعة استحلال لتلك الذنوب والمعاصي وتحسين لها فعندها تكون طاعة مكفرة.
واعلم أخا التوحيد أن السلطة في الإسلام كالسلطة في عقد البيع تعطيها الأمة للإمام بناء على عقد البيعة على أن يحكمها بكتاب الله وسنة رسوله تمامًا كما يعطي البائع السلعة للمشتري بناءً على عقد البيع على أن يعطيه المشتري مقابل السلعة وهو الثمن. والمقابل الذي يقدمه الإمام نظير ما أخذ من السلطة هو الحكم بكتاب الله وسنة رسوله بمعنى تطبيق المنهاج على أكمل وجه وعلى أساسٍ واضح لا لبس فيه. وعليه أخانا فإن الواجب على من أجرى البيعة من الأمة أن يلتزم بآثاره وهي"السمع والطاعة"للإمام وهذا ما يقتضيه الوفاء بالبيعة. والنصوص الواردة في هذا والدالة عليه كثيرة منها قول النبي صلى الله عليه وسلم (من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه) [5] والحق أن طريقة الإسلام الصحيحة في اختيار الأمير أو الإمام عملًا بمبدأ الشورى هي طريقة واحدة وهي بيعة أهل الحل والعقد ثم
(1) 275 - كلمة حق 33 - 34
(2) 276 - الأنفال 46
(3) 277 - رواه أحمد والشيخان
(4) 278 - فتح الباري 13/ 122
(5) 279 - رواه مسلم