موطن يحب نصرته) [1] وقد امتدح الله سبحانه وتعالى الأنصار (رضوان الله عليهم) في نصرتهم لإخوانهم المهاجرين فقال {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ} [2] وهذه الآية التي حصر الله فيها الولاء بين المؤمنين وحدهم .. لا تتعارض مع قوله تعالى {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [3] فمعنى هذه الآية أن من كف أذاه من الكفار ولم يعتدِ على المسلمين ولم يخرجهم من ديارهم وأوطانهم فإن المسلمين يقابلون ذلك بالإحسان إليه والعدل معه في التعامل الدنيوي من تجارة مباحة وإستيراد بضائع ومصنوعات نافعة واستفادة من خبراتهم ومخترعاتهم وهذا النبي صلى الله عليه وسلم استأجر ابن اريقط الليثي ليدله على الطريق وهو كافر واستدان من بعض اليهود .. ولكن المسلمين لا يجوز لهم محبة الكفار بقلوبهم لأن الله تعالى يقول في هؤلاء الغير معتدين {أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} ولم يقل توالونهم وتحبونهم، لأن الصلة والمكافأة الدنيوية تختلف عن المودة لأن في الصلة وحسن المعاملة ترغيبًا للكافر في الإسلام فهما - الصلة وحسن المعاملة - من وسائل الدعوة بخلاف المودة والموالاة فهما يدلان على إقرار الكافر على ما هو عليه من الكفر والظلم والبغي [4] .
على أن المسلمين ملة واحدة وجسد واحد في كافة الأنحاء، فكل البلاد الإسلامية هي وطني وكذلك كل مسلم في الأرض هو أخي ولا وجود عندنا لهذه الحدود الإستعمارية المصطنعة .. وعلى المسلم الحامل لعقيدة التوحيد الزكية أن يرفض عصبية القبيلة والجنس والأرض واللون .. فلا قومية في الإسلام ولا وطنية ولا بلديه وهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول (دعوها فإنها منتنة) ويقول (ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية) . فهذه المفاهيم الفاسدة الباطلة في منطقنا السليم وديننا القويم .. يقول سيد قطب رحمه الله (بهذه النصاعة الكاملة، وبهذا الجزم القاطع جاء الإسلام .. جاء ليرفع الإنسان ويخلصه من وشائج الأرض والطين، ومن وشائج اللحم والدم - وهي من وشائج الأرض والطين - فلا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة الله فتقوم الروابط بينه وبين سكانه على أساس الإرتباط في الله، ولا جنسية للمسلم إلا عقيدته التى تجعله عضوًا في"الأمة المسلمة"في"دار الإسلام"ولا قرابة للمسلم إلا التي تنبثق من العقيدة في الله، فتصل الوشيجة بينه وبين أهله في الله .. ليست قرابة المسلم أباه وأمه وأخاه وزوجه وعشيرته، ما لم تنعقد الآصرة الأولى في الخالق فتتصل من ثم بالرحم) [5] وعليه أخا التوحيد فمن اعتدى من الكافرين على المسلمين في فلسطين فهو عدوٌ للمسلمين كافة يحرم التعامل معه أو بره أو أن نقسط إليه فضلًا عن حبه ومودته وموالاته. وهذا ينطبق على كل البلاد المعتدى عليها من أرض المسلمين في العراق وأفغانستان والصومال والشيشان وكشمير والفلبين وغيرها ... ولا وجود في ديننا وعقيدتنا لما يسمى (قضية داخلية) أو أن مشاكل المسلمين في الإتحاد الفلاني أو القارة الفلانية (مسألة سياسية داخلية) وغيرها من المسميات الباطلة التي يتشبث بها المرجفون والمنافقون انسلاخًا من الدين وتهربًا من النصرة وانسياقًا خلف الشهوات والهوى والله تعالى يقول {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [6] .
ونحن في هذا السياق نؤكد على المبدأ الأساس وهو أنه لا فصل بين الدين والسياسة في إسلامنا العظيم وحمل الدين شعارًا يقتضى أن يكون الأصل هو الدين في التسمية والمضمون والممارسة والدين هو السياسة الحقيقة النافعة والسياسة في الحقيقة هي ما جاء في شرع الله .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدى، وسيكون خلفاء
(1) - رواه أحمد وأبو داود وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير
(2) - الأنفال 74
(3) - الممتحنة 8
(4) - أنظر الياقوت والمرجان
(5) - معالم في الطريق: فصل جنسية المسلم وعقيدته و لمزيد من إيضاح في الموضوع إقراء الموضوع كاملًا
(6) - التوبة 36