قلبه من الاحقاد المكتمة ولهيب البغضاء الغائرة في العظام ويدربهم على الدهاء والمكر وعلى اتخاذ اقنعة البراءة والبشر والمداهنة والنفاق في معاشرة اهل دار الاسلام ويعينهم بخبرته الواسعة على اليقظة والتنبه ومراقبة كل صغيرة وكبيرة من احوال من يخالطونهم من العامة والخاصة والملوك والسوقة والرجال والنساء وتطاولت السنون حتى استطاع الاستشراق ان يكون في قلب دار الاسلام جاليات صغيرة متخيرة بفهم ودقة من شعوب المسيحية الشمالية عمادها الرجال الذين يحترفون التجارة ويعرفون العربية وغيرها من لغات دار الاسلام ويقيمون في دار الاسلام مددا طويلة حتى يألفوا الناس ويألفهم الناس ويتقوض جدار التوجس والتخوف والشك في هذه الاشباح الغريبة التي تتجول في الطرقات والشوارع امنة غير مفزعة ولا مروعة فلما كان زمان اليقظة والنهضة في دار الاسلام في مصر خاصة في القرن الحادي عشر والثاني عشر الهجري القرن السابع عشر والثامن عشر الميلادي انظر ما سلف: 116 هب الاستشراق هبة الفزع الاكبر وكان نذيره الحاسم المروع للمسيحية الشمالية بالخطر المدلهم الذي تهددها به اليقظة والنهضة التي انبعثت من مصر خاصة يومئذ كانت الجاليات الصغيرة قد صارت جاليات كبيرة من تجار شعوب المسيحية الشمالية وتفاقم امرها حتى افزع المماليك المصرية وارتابوا في هذه الكثرة التي اخذت تتوافد زرافات ووحدانا باسم التجارة وخامرهم الشك في مقاصدهم وفي تحركاتهم فأخذوا يفرضون الاتاوات الثقيلة المختلفة على متاجرهم ويسومونهم العنت والمشقة حتى تبور تجارتهم وحتى يضطروهم الى الرحيل عن مصر فاوعز الاستشراق الفرنسي خاصة الى التجار ان يجأروا الى حكومتهم بالشكوى من سوء ما يصيبهم من معاملة المماليك المصرية وعلى رأس هؤلاء التجار مجالون الذي كان تاجرا مقيما في مصر اكثر من ثلاثين سنة انظر ما سلف: 115 والذي ظل يقدم الى حكومة فرنسا التقارير والمذكرات عن عبث المماليك المصرية بمصالح التجار