فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 186

و «الاستشراق» لا يذم لأنه فعل كل ذلك، لأنه بلا شك قد أدَّى ما عليه لبني جلدته أحسن أداء وأتمه، ونصر أهل دينه وأخلص لهم كل الإخلاص، وكافح في سبيل هدفه بكل سلاح أجاد صقله وتقويمه - أما الذي هو حقيق بالذم والمعابة، فالعاقل الذي يظن نفسه عاقلًا، والبصير الذي يظن نفسه بصيرًا، ثم لا يكاد عقله يدرك شيئًا هو أبين بيانًا من البدائه المسلَّمة، ولا يكاد بصره يرى ما أظهر ظهورًا من الشمس الساطعة.

فما كتبه «الاستشراق» من حيث هي كتب أو دراسات مكتوبة للمثقف الأوربي خاصة، ولهدف بعينه، حقيقة باحترام كل أوربي مثقف - أو من كان بمنزلة الأوربي المثقف في الغربة عن العربية والإسلام - لأنها يسَّرت له ما لم يكن ليتيسَّر البتَّة: أنْ يعرف أشياء كثيرة متنوعة هو عن عالمها غريب كل الغربة، وأنْ يرى عالمها في صورة واضحة مصورة بمهارة، ومصنوعة بأسلوب مقنع مقبول لا يرفضه عقله، بل لعله يرتضيه كل الرضى، ولأنَّ هذا العالم الذي يراه مصورًا عالم غريب عنه، ولا سبيل له إلى معرفة الحقيقة فيه، لولا الجهد العظيم الذي بذله دهاقين المستشرقين الكبار في تصويره، فهو غير حريص بعد ذلك على التحقق من صحة التفاصيل التي تكونت منها الصورة ولا هو قادر على التشكك في سلامتها من الآفات، ولا يخطر بباله أن يسأل نفسه: أهي صادقة أم كاذبة؟ أهي مطابقة للحقيقة أم غير مطابقة للحقيقة؟

أما من حيث هي كتب أو دراسات علمية جديرة باحترام مثقف غير أوربي، أي من أبناء العرب والمسلمين خاصة، أي أبناء لغة العرب وأبناء دين الإسلام، فهذا عندئذ موضع نظر - لأنَّ الأمر، ولا خيار لي أو لك فيه، يختلف اختلافًا بيِّنًا حينئذٍ، ويتطلَّبُ النظر في أمرين: أمر الكاتب وأمر المكتوب معًا، وهذا يردُّك لا محالة إلى ما كتبته لك آنفًا في شأن «المنهج» و «ما قبل المنهج» ، (ما سلف ص: 21 - 33) ، سواء كان الكاتب عربيًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت