المأمونة التي سوغه إياها دارس عارف بأحوال هؤلاء الناس. واستقل «المستشرقون» بحمل هذا العبء الجديد الثالث، (انظر ما سلف ص: 54) ، فكتبوا لجماهيرهم آلافًا من المقالات، ومئات من الكتب، تناولت كل شيء يخص أمم دار الإسلام في ماضيها وحاضرها. كتبوا في القرآن، وفي حديث رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وسيرته، وفي تفسير القرآن، وفي الفقه، وفي تفاصيل شرائع الإسلام، وفي تاريخ العرب والمسلمين، وفي الأدب، واللغة، والشعر، وفي الفنون والآثار، وفي علم البلدان، (الجغرافية) ، وفي تراجم رجال الإسلام، وفي الفرق الإسلامية، وفي الفلسفة عند المسلمين، وفي علم الكلام = في كل ما ذكرت وما لم أذكر، كتبوا وألَّفوا وصنَّفوا، لكن الهدف واحد لا غير: هو تصوير الثقافة العربية الإسلامية وحضارة العرب والمسلمين، بصورة مقنعة للقارئ الأوربيّ، وبأسلوب يدله على أن كاتبها قد خبر ودرس وعرف وبذل كل جهد في الاستقصاء، وعلى منهج علمي مألوف لكل مثقف أوربي، وأنه وصل إلى هذه النتيجة التي وضعها بين يديه، بعد خبرة طويلة وعرق وجهد وإخلاص، حتى لا يشك قارئ في صدق ما يقرؤه، وأنه هو اللباب المصفَّى من كل كدر، والمبرَّأ من كل زيف، وأنه الحق المبين والصراط المستقيم.
كان جوهر هذه الصورة، المبثوث تحت المباحث كلها، هو أن هؤلاء العرب المسلمين هم في الأصل قوم بُداة جهال لا علم لهم كان، جياع في صحراء مجدبة، جاءهم رجل من أنفسهم فادَّعى أنه نبي مرسل، ولفَّق لهم دينًا من اليهودية والنصرانية، فصدَّقوه بجهلهم واتَّبعوه، ولم يلبث هؤلاء الجياع أن عاثوا بدينهم هذا في الأرض يفتحونها بسيوفهم، حتى كان ما كان، ودان لهم من غوغاء الأمم من دان، وقامت لهم في الأرض بعد قليل ثقافة وحضارة جلَّها مسلوب من ثقافات الأمم السالفة كالفرس والهند واليونان وغيرهم، حتى لغتهم كلها مسلوبة وعالة على العبرية والسريانية والآرامية والفارسية