أو غير عربي، (أي مستشرقًا أورُبيًّا) . ولذلك يحسن بك هنا أن تعيد قراءته بتأنٍّ وحذر، لأنه غير لائق أن أعيد ذكره في هذا الموضع مفصَّلًا، وإنما هي الإشارة إليه لا غير. واعلم أني سأبيِّنُ لك الأمر هنا في حالة واحدة، هي حالة استحقاق الدراسة أن توصف بأنها «عِلْمِيَّة» بمعناها الصحيح، وهل هو أمرٌ ممكنٌ أن يكون ما كتبه «المستشرقون» دراسة «عِلْمِيَّة» بمعناها الصحيح، الموجب للاحترام والتقدير. وكن أبدًا على ذكر بأني ما قلته عن «المنهج» و «ما قبل المنهج» هو: «أصل أصيل في كل أُمَّة، وفي كل لسان، وفي كل ثقافة حازها البشر على اختلاف ألسنتهم وألوانهم ومِللِهِمْ ونِحلِهِم» (ص: 23) ، فهو أمر لا يختلف فيه اثنان من البشر مهما تباينا لغة وثقافة ودينًا، ولا تقوم في أمَّة ثقافة أو حضارة إلاَّ بالالتزام بهذا الأصل الأصيل في ثقافتها أو حضارتها. (اقرأ بدقة ما كتبته آنفًا من ص: 21 - 23) .
19 - «ما قبل المنهج» ، كما علمت، مكوَّن من شطرين: «شطر جمع المادة» و «شطر التطبيق» ، فلننظر الآن أين يقع «المستشرق» منهما ليكون الأمر واضحًا لك كل الوضوح، وأنا محدِّثُك عنهما بإيجاز شديد جدًا، وفيما مضى قبل بلاغ يضيء لك الطريق.
فالشطر الأول، «شطر جمع المادة» كما قلتُ: «يتطلَّبُ جمعها من مظانها على وجه الاستيعاب، ثم تصنيف هذا المجموع» ، (ص: 22) ، وهذا ممكن للمستشرق إمكانًا ما، مع ما فيه من العوائق الجليَّة، بَلْهَ العوائق الخفية التي تحتاج إلى بسط وإيضاح - «ثم تمحيص مفرداته تمحيصًا دقيقًا، وذلك بتحليل أجزاء تراكيبه بدقة متناهية، وبمهارة وحذق، حتى يتيسَّرُ للدارس أن يرى ما هو زيف واضحًا جليًا،