فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 186

وما هو صحيح مستبينًا ظاهرًا، بلا غفلة، وبلا هوى، وبلا تسرُّع»، (ص: 22) . وهذا مبني على ما سبقه، فهو ممكن للمستشرقين بعضه بصورة ما ولهدف ما، ومستحيل بعضه أن يكون منه عنده مثقال ذرة بصورة أخرى، لأنه يدخل في حديث آخر سيأتي بعد قليل، وهو حديث «اللغة» و «الثقافة» و «الأهواء» .

وأما الشطر الثاني، «شطر التطبيق» ، فكما قلت لك: «فيقتضي ترتيب المادة، بعد نفي زيفها وتمحيص جيِّدها، باستيعاب أيضًا لكل احتمال للخطأ أو الهوى أو التسرع» ، (ص: 22) . وهذا، بلا شك، مترتب على الشطر الأول كله، فما كان ممكنًا فيه فهو ممكن هنا، وما كان غير ممكن فهو هنا أيضًا غير ممكن - «ثم على الدارس أن يتحرَّى لكل حقيقة من الحقائق موضعًا هو حق موضعها، لأن أخفى إساءة في وضع إحدى الحقائق في غير موضعها، خليق أن يشوِّهَ عمودَ الصورة تشويهًا بالغ القُبْحِ والشناعة» ، (ص: 22) ، وهذا غير ممكن البتة، بل هو ممتنع، بل هو مستحيل، لأنَّ عمل «الاستشراق» كله مبني على رسم صورة محدَّدَةٍ قائمةٍ في نفسه، منصوبةٍ لعينيه، يرسمُها لهدف معين مقصود لذاته، ومن أجل إحداث هذه الصورة المُقنعة للمثقف الأوربي يُعاني مشقة «جمع المادة» ، ويكِدُّ كدًّا في ممارسة «التطبيق» . وقد بيَّنت لك آنفًا «أهداف الاستشراق» ، (في الفقرتين: 16، 17) ، وكشف لك حقيقة «الصورة» ، (في الفقرة: 18 ص: 59، 60) فهذا العمل وحده، أو هذا القصد المتعمَّدُ وحده، آفة خبيثة كافية وحدها في إسقاط عمل «الاستشراق» كله إلى حضيض الفساد والإفساد في «ما قبل المنهج» ، ومُفْضِيَةٌ بعد ذلك إلى قَذْفِ عمله كله منبوذًا خارج حدود كل ما يمكن أن يوصف بوجه ما أنه «عمل عِلْمِيٌّ» خالص. ومُحَقِّرٌ لعقله من لا يدركه، فدَعْ عنك من ترتضيه؟ ومُغَطًّى على بصره من لا يُبْصِرُهُ، فما ظنك بمن ينافح عنه؟ فإنه كما قلت آنفًا: «أبين بيانًا من البدائه المُسلَّمة، وأظهر ظهورًا من الشمس الساطعة» ، (فقرة: 18، ص: 62) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت