واحدا غير قابل للفصل في كل جيل من البشر وفي كل أمة من الامم ويبدأ هذا التداخل والترافد والتلاقح والتمازج منذ ساعة يولد الوليد صارخا يتلمس ثدي امه تلمسا ويسمع رجع صوتها وهي تهدهده وتناغيه ثم يظل يرتضع لبنا اللغة الاول ولبان الثقافة الاول شيئا فشيئا عن امه وابيه حتى يعقل فإذا عقل تولاه معهما المعلمون والمؤدبون حتى يستحصد أي يشتد عوده فإذا استحصد وصار مطيقا إطاقة ما للبصر بمواضع الصواب والخطأ قادرا قدرة ما على فحص الادلة واستنباطها فناظر وباحث وجادل فعندئذ يكون قد وضع قدمه على اول الطريق = لا طريق المنهج وما قبل المنهج فهذا بعيدا جدا كما رأيت = بل على الطريق المفضي الى ان تكون له ثقافة يؤمن بها عن طريق العل والقلب = ويعمل بها حتى تذوب في بنيانه وتجري منه مجرى الدم لا يحس به وينتمي اليها بعقله وقلبه وخياله انتماء يحفظه ويحفظها من التفكك والانهيار كما أسلفت وهذا كما ترى شرط لازم للبدء في الاحاطة بأسرار اللغة ثم اللغة بعد ذلك هي التي تمهد له الطريق الى الاحاطة بأسرار الثقافة لان امر الاحاطة عندئذ منوط كله بالقدرة على تمحيص مفردات اللغة تمحيصا دقيقا وتحليل تراكيبها واجزاء تراكيبها بدقة متناهية وبمهارة وحذق وحذر حتى يري ما هو زيف جليا واضحا وما هو صحيح مستبينا ظاهرا بلا غفلة ولا هوى ولا تسرع انظر ص: 22، 64، 65 ثم منوط ايضا بالقدرة الفائقة على النظر في الثقافة وعلى ترتيب مادتها بعد نفي زيفها وتمحيص جيدها باستيعاب لكل احتمال للخطأ او الهوى او التسرع متحريا وضع كل حقيقة من الحقائق في حق موضعها لان اخفى اساءة في وضع احدى الحقائق في غير موضعها خليق ان يشوه عمود الصورة تشويها بالغ القبح والشناعة (انظر ص: 22، 64، 65)