حاجَة (التبشير) و (الاستعمار) إليه، حاجة كانت ملحّة، وهى إلى اليوم حاجة دائمة، لا يستغنيان عنه ولا عن نصائحه وإرشاداته وملاحظاتِه طَرْفَةَ عين. ومرةً أخرى، لا تنس ما حييتَ أنَّ هذه الثلاثة إخوة أعيان لأبٍ واحدٍ وأم، واحدة، لا تُفَرِّقْ قط بين أحدٍ منهم.
17 -من العسيرِ، إن لم يكن من المحَالِ الممتنع، أن أقصَ عليكَ في كتابٍ كبيير، قصَّةَ شعوبٍ مختلفة كثيرةِ العدد، تطاولت عليها إيام وتتابعتْ سنون، منذ ذَرّتْ عليهم شمس اليقظة، ثم انبسطت عليهم أشعَّتها، حتّى تحركَت أوصالُ كلِّ حي من جماهيرها الغفيرة، هذا محال. أفتظن، إذنْ، أني قادر على مثل ذلك في ورقاتٍ قلائلَ؟ كلاَّ، فما هو إلا هذا الوصف السريع الخاطف.
تهاوَتْ في أوربّة سًدود الجَهْل، وأنبثقت اليقظة، وفتِحت بعض مغاليقِ خزائن العلم، وانقشعت ظلمة (القرون الوسطى) ، ولاحت تَباشير فجرٍ جديدِ، واصطفَّ الهَمَج الهامج كتائبَ تزحف في أيديها مصابيح ينبعث منها بصيص يضِيء ليكشف غياهب الظلمات، واستنارت الطرق، وازدحم على سلوكها كل مطيق للزحف وبالصبْر وبالجهْد وبالجرأة وبالعزيمة ونبذِ التواني، صارت أوربّة قوةً تُمدّها فتوح العلم الجديد بما يزيدها بأسًا وصرامة .... ولا أقول شال الميزان، بل أقولُ بطل عمل الميزان، وصارَ في الأرض عالَمَانِ عالَم في دار الِإسلام مفَتَّحة عيونهم نيام، يُتَاخم من أوربّةَ عالمًا أيقاظًا عيوُنهم لا تنام، وقضِىَ الأمر الذي فيه تستفتيان! وبدأت (المرحلة الرابعة) في الصراعِ بين المسيحية المحصورة في الشمالِ، وبين دارِ الإسلام التي تحجُب عنهم من ورائها عالمًا مبهمًا متراميَ الأطراف، (انظر أول الفقرة السالفة: 16) .