وأن في صميم قلبه كل ما تكنه المسيحية الشمالية من البغضاء النافذة في غور العظام، والتي أورثتها الحروب المتطاولة، كما وصفتها لك آنفًا في الفقرة الخامسة عشرة والسادسة عشرة، (ص: 42 - 46) .
الصفة الثانية: أنَّ في صميم قلبه كل ما تحمله قلوب خاصة الأوربيين وعامتهم، وملوكهم وسُوقتهم، من الأحلام البهيجة والأشواق الملتهبة إلى حيازة كل ما في دار الإسلام من كنوز العلم والثروة والرفاهية والحضارة. أحلام وأشواق أورثهم إياها الاحتكاك المستمر قرونًا بهذه الحضارة الزاهية الغنية التي كانت يومئذ في دار الإسلام.
وبهاتين الصفتين يكون مؤهَّلًا حمل هموم المسيحية الشمالية التي ظلت قرونًا محصورة في الشمال، ودليل إخلاصه المطلق لهذه الهموم، هو تبتَّله الذي يقطع ما بينه وبين زهرة الحياة الدنيا وزينتها من حوله، حبيسًا بين جدران تضم ركامًا من أوراق قديمة مكتوبة بلسان غير لسان قومه، قد رضي لنفسه أن يبقى اسمه في دنيا الناس مغمورًا غير مشهور (انظر ما سلف ص: 48) .
وبديهي أن يكون «المستشرقون» ، كما عرفت صفتهم، هم أسبق الناس إلى معرفة هذه الحاجة الملحة التي تضمن للزحف الأكبر على دار الإسلام أن يسير على هدى لا يختل ولا يضل، ويعصم أكبر قدر ممكن من أشتات الزاحفين، حين يدخل دار الإسلام ليطول مقامهم بها، ويجري بينهم وبين من يخالطونهم ما يجري بين الناس من التفاوض وتجاذب الأحاديث - يعصمه أن ينبهر بما يرى أو يسمع، أو أن تضعف حميته، أو تلين قناته، أو يتردَّدُ ويتلجلج. لا بد إذن من أساس يرتكز عليه تفكيره، ومن صورة سابقة شاملة ثابتة يثق بها ويطمئن إليها، ويثق أيضًا بصدقها وأمانتها، حتى يتمكن من أن يرفض ما يرى وما يسمع، إذا هو خالف ما يعتقد أنه الصورة الوثيقة