الطور الثاني فروع منبثقة عن هذه الاصول المكتسبة بالنشأة وهي تنبثق حين يخرج الناشيء من إسار التسخير الى طلاقة التفكير وانما سميت الطور الاول إسار التسخير لانه طور لا انفكاك لاحد من البشر منه منذ نشاته في مجتمعه فإذا بلغ مبلغ الرجال استوت مداركه وبدأت معارفه يتفصى بعضها من بعض او يتداخل بعضها في بعض ويبدأ العقل عمله المستتب في الاستقلال بنفسه ويستبد بتقليب النظر والمباحثة وممارسة التفكير والتنقيب والفحص ومعالجة التعبير عن الرأي الذي هو نتاج مزاولة العقل لعمله فعندئذ تتكون النواة الجديدة لما يمكن ان يسمى ثقافة وبين ان سبيله الى تحقيق ذلك هو اللغة والمعارف الاول التي كانت في طورها الاول مصبوغة بصبغة الدين لا محالة حتى لو استعملها في الخروج على الدين الموروث ومناقشته رفضا له او لبعض تفاصيله هذه حال النشأ الصغار حتى يبلغوا منزلة الادراك المستقل المفضي الى حير الثقافة وثقافة كل امة وكل لغة هى حصيلة أبنائها المثقفين بقدر مشترك من أصول وفروع كلها مغموس في الدين المتلقي عند النشاة فهو لذلك صاجب السلطان المنطلق الخفي على اللغة وعلى النفس وعلى العقل جميعا سلطان لا ينكره الا من لا يبالي بالتفكر في المنابع الاول التي تجعل الانسان ناطقا وعاقلا ومبينا عن نفسه ومستبينا عن غيره فثقافة كل امة مرأة جامعة في حيزها المحدود كل ما تشعث وتشتت وتباعد من ثقافة كل فرد من أبنائها على اختلاف مقاديرهم ومشاربهم ومذاهبهم ومداخلهم ومخارجهم في الحياة وجوهر هذه المرأة هو اللغة واللغة والدين كما أسلفت متداخلان تداخلا غير قابل للفصل البتة فباطل كل البطلان ان يكون في هذه الدنيا على ما هي عليه ثقافة يمكن ان